` كنت أمًّا لأمّي


كنت أمًّا لأمّي

كنت أخجل دائما حتى بيني وبين نفسي ومنذ صغري أن أقيّم أي تصرف يصدر منها، أو أن أعلق على شيء تفعله إلا بالموافقة والتأييد.

كنت أرقُبها، ويكاد قلبي الصغير أن ينخلع من بين ضلوعي عندما تغيب عني، فكل كياني يهرع لتلبية أي نداء منها، وأُلقي في روعي ولم تكن سنوات عمري قد تخطت العاشرة أنها مسئولة مني وأن علي إسعادها وكراهية كل ما يحزنها.

كيف لا ومنذ أن تفتحت عيني وقد لمست ضعفها وقلة حيلتها، هي امراة بسيطة فقدت أبويها من الصغر، وليس لها إلا أخت تكبرها تراها بين الحين والحين. تزوجت صغيرة من أبي وأنجبتنا نحن الأربعة، وكنت الثالثة.. بين أخ وأخت يكبرانني، وأخت وتصغرني بقليل، كان ميلادها إيذانا بأن جسد أمي لن يتحمل حملًا آخرا.. فقد أنهكتها خدمة أبي وضيوفه وأطفالها.

وتعلقتُّ بذيلها أحاول أن أتعلم كل ما يطلب منها حتى أكفيها المشقة والتعب فأتقنت كل أعمال المطبخ، وتدربت على ترتيب المنزل وتجهيز الطلبات، وكنت أسهر بجانبها إذا مرضت، ولا أشعرها بأي شيء يعتريني كي لا أكدرها، وسخرت نفسي لخدمة الجميع حتى أخفف من أعبائها، وكنت أحلق في السماء حين تخصني بدعوة تشعرني برضاها عني، وكان أشد ما يحزنني عندما أراها ترتجف من قسوة أبي عليها وعلينا، فقد كان صارما في قراراته ولم تجرؤ على مراجعته أبدًا.

كنت أهرع إلى أمي أحتضنها وأستمسك بيدها الضعيفة حين كان يُصب في آذاننا صراخ أطفال جارتنا حين توقع أمهم بهم العقاب، وأتألم كثيرا حين يشكون قسوتها وضعف والدهم، وكيف كان يقر قسوتها تفاديًا لغضبها وطلبا لرضاها.

كما كنت أقف دائما حائرة لا أدري تلك المشاعر التي تلم بي حين أرى خالتي ومدى لهفتها وحنانها على ابنتها، وتلك السعادة التي ترتسم على وجهها وهي تضمها إلى حضنها وتجيب كل طلباتها، وهي تردد: "إنها وحيدتي".

 واختار أخي أن يرحل بعيدا عن مدينتنا ليلتحق بجامعة هناك، وبكت أمي ورحب أبي، وبذلت كل ما في وسعي لأواسيها وأصبرها، كنت أسعد لأنها اعتادت أن تبث شكواها وما يعتريها لي، وحين مات أبي أسرعتُ إليها لعلي أجد في عينيها نظرة ارتياح، فإذا بالحزن يقتلها خاصة حين رفض أخي العودة للعيش معنا وقد أنهى دراسته وتزوج هناك.     

ورحلت أختي الكبرى مع زوجها، ولحقت الصغيرة بأخيها لتقيم معه وتكمل دراستها، وبقيت مع رعيتي وقد شكلت السنين تضاريس وجهها، وأقعدها الوهن عن الحركة حتى استرد الله عاريته.

وعندما أذن الله لي باسترداد عافيتي، وأعانني على تخطي أزمتي سخر لي من سهل لي تحويل بيتها لمأوى تقيم فيه من لا مأوى ولا راعي لها، لتحل السكينة عليهن وأحلم  بها وقد ارتسمت الضحكة في عينيها داعية ربي أن  يرزقني الإخلاص ويتقبله صدقة جارية لوالداي.  

بواسطة: أم الفضل
12/10/2016   |    5674   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

نصائح ووصفات شهية لأكلات عيد الأضحى زوجي العزيز.. عفوًا لقد نفذ رصيدكم! 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب