` فطيرة يلنجي..


فطيرة يلنجي..

لم يكن طلب ابنتي المكرر لطبق كبير من "اليلنجي" الشامي بالأمر المفرح، ولم يكن ينالها مني إلا التأجيل والموافقة المؤجلة، وكانت تخفض رأسها في كل مرة، وتمضي مقنعة نفسها بتناول خمس قطع منها في تلك العلبة المعدنية الجاهزة، قبل أن تعود لتطلب مني بعد مدة صنع طبق كبير لأن الجاهز مكلف ولا يشبه طعم ما أصنعه بمطبخي.

كأم تعمل في الصحافة ولديها التزاماتها الكتابية، ومسؤوليتها الكثيرة، كان صنع طبق "اليالنجي" آخر أولوياتي بالتأكيد، فأنا بالكاد أصنع طعاما ساخنا بسيطا، وربما مرت أيام دونه.

وكنت أملأ الثلاجة بالأطعمة التي يستطيع الأولاد إعدادها بأنفسهم عندما يكون ضغط العمل كبيرا والمهام مرهقة، لأريح ضميري.

أشغلتني طويلا فكرة تلك السيدة التي اخترعت هذه الأكلة، وكل أكلات المحاشي والأطباق الصعبة والمرهقة التي تستنزف الوقت والجهد، ثم يتناولها من لم يعرف قيمة ما بذل لصنعها بدقائق، متذمرا من ملحها القليل أو الكثير أحيانا، وكنت أراها دوما سيدة غبية، أو مجنونة، أو فارغة، وربما من صنف السيدات المتباهيات، لكنها أبدا لم تستطع أن تمنحني ما أعذرها به إلا عندما أتناول تلك الأطباق في مطعم لم يستنزفني.

كل صمودي وكل تمردي في بلاد المهجر على عادات المطبخ العربي السقيمة بنظري انهار أمام صبية تعرض علي في جوالها فيديو لمن تصنع اليالنجي بطريقة سهلة ومختلفة رأيت فيها شيئا من تمردي أنا أيضا على قيود الأطعمة الصعبة والمملة التي يشغلون بها وقت نساء الشرق و يهدرون طاقاتهن.

وكانت تلك الطباخة تضع أوراق العنب فتفرش بها القدر و تصب الحشو فوقه و تعيد وضع الأوراق من جديد و تقوم بإغلاق كافة المنافذ التي قد يخرج منها الأرز، ومن ثم تطهوها لتخرج قطعة واحدة أشبه بالفطيرة، فتقوم بتقطيعها قطعا مثلثة كما نفعل مع الفطائر تماما و بكل خفة، ولم يكن هناك بد من التجربة أمام عينان لطيفتان ترجوانك ببراءة.

قمت بالتجربة فأعددت الحشو وأشبعته بالحامض، وبدأت بإعداد الأوراق في القدر، وتنفيذ الخطوات بدقة، ولم أتخيل أن تستيقظ في تنفسي تلك السيدة الشامية العريقة التي كانت تعد هذه الأطباق يوما مقتنعة أنها تقوم بالعمل الصحيح، لتفق قبالتي وتسخر مما أفعل وتذكرني بشكل الأطباق التي كانت تملأ مائدتي في بلادي، وكم كنت أبتسم لوجه زوجي أو أطفالي وهم يأكلون بنهم فأنسى أنني قضيت نصف يومي في إعدادها.

صنعت فطيرة اليالنجي كما في الفيديو، ورفعتها على النار، و جلست أمام فنجان قهوتي على طاولة المطبخ كسيدة شرقية طيبة، وقمت بلف أوراق العنب المتبقية واحدة تلو الأخرى وسط تعجب طفلتي و ضحكاتها، وتعجبي أيضا.

وضعت الطبقين على المائدة أخيرا وتمتعت بطعم الحامض القوي،و بطريقة طفلتي في الأكل و سعادتها، و أدركت نوعا ما سر تقبل نساء الشرق الطيبات للعمل المضني.

قالت طفلتي بعد تناولها لطبق كامل من الفطيرة و بضع حبات أخرى:

" هل تعرفين ماما؟! .. الفطيرة أطيب و طعمها ألذ".

بواسطة: عبير النحاس
11/11/2016   |    5714   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

نصائح ووصفات شهية لأكلات عيد الأضحى زوجي العزيز.. عفوًا لقد نفذ رصيدكم! 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب