` هل يحتاج السوريين ثورة على عاداتهم الاجتماعية أيضا؟!


هل يحتاج السوريين ثورة على عاداتهم الاجتماعية أيضا؟!

عندما أفقدتني الحرب في بلادي الرجال الثلاثة الأهم في حياتي في عام واحد.. كانت الصدمة.

كان علي أن أقف وحدي بثبات، ألا أستند، وأن أكمل طريقي مع الأولاد دون أن نحتاج لأحد، ولم يكن الأمر سهلا بالطبع..

كنت مضطرة للوقوف بصلابة ورباطة جأش وألا أشفق على نفسي كثيرا، لأن الانهيار معناه أن عائلة بأكملها ستنتهي، ويقضى على مستقبلها..

و لم يكن يرضيني كأم تعبت لتعلم أولادها أن يتركوا متابعة تعليمهم على أكمل وجه، فكان لا بد من أن أحمل المسؤولية كاملة لإتمام المهمة التي بدأتها معهم وهم صغار..

ما أفادني حقا هو تلك المهارات التي أملكها والتي كنت أنتزع الدقائق في بلادي لممارستها بجانب مهامي الأخرى كأم وزوجة وموظفة أيضا.

الكتابة الصحفية والأدبية، ومهارتي في الرسم، كانت رأس مالنا في الغربة في حين خذلنا المال والبيت والمدخرات جميعها.

لم يكن من الصعب على من تمتلك تلك المهارات أن تجد عملا في تركيا بغضون أيام، فكان أن بدأت العمل كمراسلة لعدة صحف ومواقع عربية ..

حالتي كانت استثناء بالطبع، فلم يكن هذا حال أغلب النساء السوريات اللواتي فقدن أزواجهن، وآباءهن، واضطررن للخروج بأولادهن نحو بلاد الاغتراب، ومن هنا بدأت مأساتهن.

لمدة طويلة كنت أعتقد أن نسبة زواج الصغيرات في سوريا قد تقلصت، وأن العلم والعمل باتا هما أساسا للفتيات السوريات، ولكن ومن خلال مخالطة قصيرة لبعض المجتمعات السورية أدركت أن تلك النسبة عالية جدا، وكبيرة، وأن الغالبية من رجالنا ما زالوا يبحثون عن الفتاة الصغيرة وغير المتعلمة للزواج منها، لأن قيادة تلك الأنثى سهلة، ومعاشرتها بسيطة كونها لا تمتلك حتى رأيا أو قرارا، وكونها تنظر لزوجها الأكبر منها بسنوات عدة و كأنه العالم الملهم والقوي الذي لا يقهر، وكان هذا بالطبع يسعد الرجل ويريحه، و يشعره بالفخر.

 فالزواج من امرأة متعلمة وعاملة لن يكون بتلك السهولة لأن لها رأيها، وقراراتها، وانشغالاتها، وطموحها، وأيضا تملك المال، وبالتالي فمن الممكن ألا تتحمل الظلم لو ظلمت، وتغادر بيت الزوجية بسهولة، عكس المرأة غير المتعلمة وغير العاملة، والتي لا حيلة لها، ولا قرار، ولا تجرؤ أصلا على اتخاذ قرار الانفصال، أو دفع الظلم عنها.

في سوريا كانت الأمور تسير بصمت، فالكثير من الظلم الواقع على النساء كانت تخفيه جدران البيوت، ولم تكن شكاوى النساء لتتعدى الدعاء والصبر، ولكنهن كن ذابلات باهتات، يظهرن التماسك والجلد لأنهن لا يعرفن حلا أو خيارا أخر، ولأن كل المجتمع يحمل هذه الصفة، ولأنهن لا يملكن المال، ولا يعرفن كيف يتدبرن أمور حياتهن دون الاعتماد على الرجال، فهذا ما تعودنَ عليه.

عندما جاءت الثورة السورية، وبدأت الحرب بالتهام الرجال بقسوة، كما هي عادة الثورات التي تجابه الظلم، بدأت كذلك تظهر مشكلة المرأة التي باتت مسؤولة عن أسرتها وحدها، وهي غير المدربة، وغير المؤهلة لأي نوع من أنواع القيادة.

لا تعرف المرأة السورية التي تزوجت وهي صغيرة إلا أن تدبر شؤون منزلها، وهي تقوم بهذا ببراعة، ولكن عندما يغيب الزوج وتحل مكانه ترتبك، وتنهزم، وتضعف، وتبحث عمن يحمل عنها المسؤولية، فتكون النتيجة:

- أن يعمل الأطفال الصغار في أماكن لا تناسب طفولتهم، وبالتالي يتعرضون لأخطار جسيمة منها التحرش، وربما الانضمام لعصابات، ومنها ترك المدرسة إلى غير رجعة بحثا عن لقمة العيش.

- أن تلقي المرأة بهمومها على أول رجل وضعه القدر في طريقها لتقبل أن تكون له زوجة ثانية، دون أن تفكر إن كان هذا الرجل مناسبا، وقادرا على إعالة أسرتين، أو أنه كان رجلا جيدا مع أسرته الأولى ولم يظلمهم، فتجد نفسها بعد مدة وقد وقعت في دوامة أكبر، وأن هذا الرجل كان طامعا في نزوة فقط، وهو بالكاد متواجد بين أفراد أسرته الأولى كهيكل بشري فقط، دون أن يكون لهم الستر والحب والحنان، وبالتالي فما لم يقدمه لأسرته الأولى لن يقدمه لأسرة ثانية، وأولاد غرباء عنه.

تربيتنا للشباب أيضا لم تكن دائما سليمة، وظهرت الكثير من الأخطاء التي ارتكبناها في بلاد الهجرة كعيوب وصف بها الشعب السوري، وكانت أيضا تخفيها جدران بيوتنا، ومجتمعاتنا التي كانت مترابطة.

ومن أهم هذه الأخطاء أننا علمنا الشباب أن العمل داخل البيوت، والعمل المنزلي تحديدا هو عمل نسائي بحت، وأنه مما ينتقص من الرجولة، وقد تعود شبابنا على الكسل والراحة المنزلية، وظهرت آثار هذه التربية الخاطئة أيضا في البيوت التي يسكنها الشباب السوريون في تركيا، وفي الدول الأوروبية، وحتى بين أولئك الذين يخرجون من بلادهم للتعلم، فلا تكون أمهاتهم بصحبتهم أو زوجات يدبرن لهم شؤون منازلهم.

 مشكلة مزدوجة إذن أظهرتها الحرب بوضوح، ولأجلها انتقد الشعب السوري، وضاعت الكثير من الأسر، ووجب أن نبحث عن الحلول.

 أول هذه الحلول بالتأكيد هو أن نبدأ بتأهيل المرأة السورية المعيلة، وأن نمنحها فرصا كافية للتدريب، وأن نساعدها بتنمية شخصيتها الخاضعة المستكينة لتكون أقوى و أكثر قدرة على تدبير شؤون عائلتها وحدها، و كسب المال ببراعة و صبر، دون أن توقع نفسها في براثن ذئب بشري، أو معدد يستغلها و يضيع عائلتها، ودون أن تلقي بأولادها الصغار في سوق العمل، أو في الشوارع ليكسبوا المال ويفقدوا العلم، والتربية، والمستقبل، ودون أن ترضخ للدعوات التي تطالبها بالتخلي عن عفافها مقابل المال، وقد حصل هذا فعلا.

وأن تبدأ الجمعيات والمؤسسات بالتنبه للأمر، وإنفاق المال على تعليمهن المهن، وإيجاد فرص للعمل، كالمشاريع الصغيرة مثلا، بدلا من إعطائهن المال دون تعب وتركهن عرضة للفراغ والحاجة الدائمة، فلا بد للمال أن ينفذ، وأن يمل المعطي بعد مدة.

وأما بالنسبة للشباب فلست أدري هل تنفعهم أيضا دورات في العمل المنزلي، وتدبير المنزل، والطبخ، للتخلص من الفوضى والعشوائية التي تعج بها البيوت الشبابية للسوريين في بلاد الاغتراب، أم أنهم سيرفضون هذا و يفضلون البحث عن عروس جميلة، وصغيرة، وغير متعلمة، لتقوم عنهم بأمور التنظيف، والطهو، والترتيب، وتنظر إليهم وكأنهم أعقل، وأقوى، وأقدر الناس على الفهم، وإدارة شؤون الحياة دون أن تعترض، أو تفكر في مغادرة بيت الزوجية مهما ظلمت.

---------------------------------------

*نشرت في مجلة غارتشيك حياه gercekhayat التركية.

بواسطة: عبير النحاس
04/12/2016   |    5725   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

نصائح ووصفات شهية لأكلات عيد الأضحى زوجي العزيز.. عفوًا لقد نفذ رصيدكم! 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب