` عامل النظافة الذي أهدته السخرية ذهبًا!


عامل النظافة الذي أهدته السخرية ذهبًا!

لم يدر بخلد هذا العامل البسيط أنه وهو يقف أمام واجهة متجر المجوهرات الفاخر، تتحرك أقدار الله تعالى ليسوق له الرزاق من يصوره، فيسخر منه أحدهم، ليدافع عنه آخرون، وتنهال عليه أطقم الذهب والمبالغ المالية وعدسات القنوات والمصورين!

قصة عجيبة لكنها حقيقية تلك التي مر بها العامل البنجلاديشي "نزرول عبد الكريم" – البالغ من العمر 50 عامًا- والذي لا يعرفه أحد، ولا يأبه بأمره الكثيرون، فهو عامل نظافة بسيط لا يتعدى راتبه 700 ريال، ولا شك أنه عندما وقف أمام محل المجوهرات لم يكن غرضه الشراء، لكن هل كان قلبه متطلعا حينها لفضل الله الواسع؟.. هل لهج لسانه بالدعاء أن يكفيه الله ويغنيه؟.. هل حمد الله على نعمه عليه واستشعر أن العافية والسلامة أغلى من الذهب فزاده الله جزاء الشكر؟..

ففي هذه اللحظة التي وقف فيها "نزرول" ليطالع الأطقم الذهبية اللامعة ببذلته الزرقاء الرثة، كانت عدسة أحدهم تلتقط وتنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، فسخر أحد المعلقين، وتهكم على العامل الغافل بما يحط من قدره قائلا:"ههههه.. هذا حده يناظر الزبالة".. لم يعلم العامل شيئا عن هذه السخرية التي ربما كسرت قلبه وآلمته لو علمها في وقتها.

ولكن أكثر ما أدهشني في القصة وأثار إعجابي وأملي في هذه الأمة، ردود الأفعال على هذا التعليق الساخر، فقد انهالت التغريدات والردود المستنكرة للحط من قدر عامل النظافة، عن طريق البحث عنه وجادت النفوس بالعزم على إعطائه أطقما ذهبية ومبالغ مالية، وأجهزة محمول، وطعام، ردا لكرامته، ورفعا لقيمة الإنسان فوق قيمة المال، وعدم تقدير المرء بما يملك وما يرتدي وما يعمل، فقد أخبر أصحاب المحلات عن الرجل بأنه رغم فقره يحرص على إطعام قطط الشوارع، ويتقن عمله.

وكانت المبادرة لصاحب حساب "إنسانيات" عبد الله القحطاني الذي أعلن عن طقم ذهب للعامل بعد أن رأى صورته، وبالفعل تلقى اتصالا من أحد محلات الذهب يخبره أن العامل يعمل في أسواق طيبة بالرياض، وأعطاه رقم هاتفه، ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا، فقد تلقى القحطاني اتصالات كثيرة راغبة في مساعدة العامل بهدايا مختلفة، ووصف تفاعل السعوديين مع العامل بـ"فوق المتصور".

شيء مذهل في الحقيقة، فمواقع التواصل التي تستثير الضحكات بالكثير من التفاهات والإسفاف، أظهرت هذه المرة رفضا للسخرية، وإعلاء لقيمة الإنسان، وروعة معدن الكرم والأصالة، ومحبة الناس للخير وتنافسهم فيه.

هذا التفاعل السريع الكريم يؤكد على أن ما يحدث من ظلم وتعنت وبخس أحيانا ليس هو الأصل، وأن الخير في الناس أقوى، وأن أفضل طريقة للتعامل مع التافهين وضعاف العقول ليس بالدخول معهم في معارك كلامية، فلا يمكن لعاقل أن يغلب أحمق بالحجة، وإنما تكون بإظهار الصواب وإبراز تصرف العقل والدين والكرم، فهذا هو ما يضعف أثر الحُمق والسفاهة، ففعل رجل في ألف رجل خير وأبلغ من قول ألف رجل لرجل.

وكم من منحة أتت في ثياب محنة، وعزة ورفعة بدأت بسخرية وتهوين، وكم أن البشر مختلفين، "هم درجات عند ربك"، وما أجمل التواضع ورقة القلب والجود.. وما أبأس العنصريون المتفاخرون بأموالهم ومظاهرهم الفارغة.

بواسطة: مي عباس
08/12/2016   |    5956   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

الحُلم يتجسد من جديد الحُلم يتجسد من جديد 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب