جدي ورحمات ربي

كم أحببت تلك الخالة التي كانت تمثل لي دائما البلسم لأحزاني وتساؤلاتي، كانت مجرد نظرة منها لعيناي تجعلها تسارع لاحتوائي وإنهاء حيرتي. وعندما أمسكت بيديها وقد ارتجف قلبي، أجابتني بصوت هاديء: "ما بك يا حبيب القلب؟".

فطلبت منها أن نخرج لنتحدث خارج المنزل حتى لا نزعج والدتي التي ما رأيتها إلا والغضب يغلف حزنها وألمها.

لم يتجاوز عمري السابعة عشر، ولكنني كنت أحمل تلك السنوات فوق كتفي، فقد ظلت حياتي مغلقة، وقد فرضت علي أمي الانغلاق التام، فهي قليلة البوح، وكانت إلى عهد قريب تصطحبني إلى المدرسة ذهابا وإيابا.

لم أجرؤ وأنا صغير أن أسال عن أبي وأهله، وقد تناثرت بعض المعلومات إلى أذني، عرفت منها أنها "طُلقت وظُلمت، وأنها ربتني يتيما".

 لم يكن مسموحا لأحد من أهلها بالخوض في ذلك الأمر، أو أن يتبني أي وجهة نظر مخالفة لها.

احتفظت ذاكرتي بلقطات باهتة عن ذلك الرجل الذي سُمح له أن يراني مرة وقيل لي أنه أبي، ثم لم يعد.

لكن الصوت الذي ظل يتردد في مسامعي لمن جاء مرارا يطالب برؤيتي ولم يكن يُستجاب له، كنت أنصت وهو ينادي علي ويردد أنه جدي.. أحببته وخشيت منه في الوقت نفسه، سمعت نداءه علي من خلف الباب الذي رفضت أمي بكل قوة أن تفتحه، كان يقول:"أنا جدك وأحبك وأريد أن آراك".. لكنني رأيت دموع أمي وغضبها، كان يهدد بأنه سيخطفني من أمي، لكن لم يفعل، وكم شعرت بعجزي وضعفي وحيرتي، فقد كان كل شيء يفوق قدرتي على الاستيعاب، فآثرت التناسي والتعايش مع ما هو كائن.

لكن ما إن بلغت المرحلة الثانوية، وبلغت مبلغ الرجال حتى شعرت برفض للأبواب المغلقة، ولم أعد أبالي بالرجوع إلى المنزل إلا حين أريد، واتسعت دائرة معارفي وأصحابي، وصحبني دائما ماحفظته لي خالتي من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "ياغلام احفظ الله يحفظك".

وذات يوم وجدت رسالة على حسابي على موقع التواصل "فيس بوك"، وبتردد ذهبت إلى خالتي وسألتها هامسًا:"من تلك التي أرسلت لي هذه الرسالة ويتفق اسمها مع اسمي؟".. فعلت الدهشة وجهها وتبسمت وهي تربت على كتفي بحنان:"إنها عمتك".                 

لم أنم وقد اهتز كل كياني وسيطرت الحيرة والذهول على أفكاري.. ماذا يخبئ لي القدر؟. وسارعت بالرد على رسالتها: "هل تعرفينني؟".. لترد قائلة: "أنت عطاء ربنا لنا الذي أذن ألا يزداد حرمننا منه، رأيت صورتك وكأني أرى أخي رحمة الله عليه، وهذا رقم هاتفي".

وقعت كلماتها على القلب فازداد خفقانه وهاتفتها والدموع تخنق العبارات في فمي: "أريد أن أراك".

وعندما رن هاتفي جاءني الصوت البعيد:"يا أغلى حفيد سآتي لأصطحبك من المكان الذي تريد".. كان صوت جدي..

عمت الفرحة وامتلات العيون  بالدموع وتعلقت عيون عمتي بي، وأخذ زوجها يعرفني على الجميع: فهذا ابنهما، وهذه أختي التي أرضعتها عمتي بعد أن تركها أبي وزوجته ورحلا بسلام وهما يؤديان فريضة الحج في ديار الأمان.

 لم يتمالك جدي نفسه من الانفعال، فيضمني ويجلسني على ركبتيه ويردد: "عاد ابني لقلبي، كم تمنت جدتك رحمها الله ذلك اليوم لم تكف عن الدعاء ومحاولة الوصال، مرددة: ليس للوليد ذنب أن يدفع ثمن أخطاء الأهل ونحرم منه وتقطع الأرحام ولا مجيب.

ولولا أن أباك كان يخشى اللجوء للقوة، وأن يتسبب ذلك في إزعاجك وإشعال نار الكراهية والعداء.

وبقيت أنا وعمتك هناك ثم عدنا وقد أذن الله باللقاء.

وتبدل وجه الحياة وسكن قلبي وقد أحاط به الأهل والأحباب وغمرني جدي بوابل من الحنان والعطاء.

ونظرت إلى أمي قد غلبتها دموع الندم والاستسلام وطلب العفو والمغفرة من الله، وخالتي تضمها بحضنها الواسع وتهمس لها: لا تخشي شيئا وأربعي على نفسك فكل منا يعيش قدره بلطف من الرحمن.

بواسطة: أم الفضل
20/03/2017   |    549   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

أسئلة أطفالك عن العلاقة الحميمة افتتان الزوج على الإنترنت.. ماذا بعد؟!