مائدة أمي العامرة وصدمة أختي الصغيرة

اعتدت منذ صغري على رؤية أمي وهي تمضي غالب يومها في المطبخ، تعد من الوجبات المختلفة وتسعد كثيرا برؤية نظرات الإعجاب وكلمات المديح، وعلى الرغم من أن أسرتي تتكون مني وأختي التي تصغرني وأبي وأمي، إلا أن مائدة طعامنا كانت دائما ما تزخر بالأطباق الكثيرة المتنوعة، ومنهج أمي أن طعام الغذاء غير العشاء، ولاحظت أن أبي لا يبخل عليها بما تريد لشراء ما يلزمها لذلك، بل كان يثني عليها، وكان مصير ما يفيض من ذلك الطعام أن يلقى في صناديق القمامة، فلا حاجة لنا به، أما ما كان يُعد في مائدة العزومات والدعوات فحدث ولا حرج، فبالإضافة إلى ما تقوم أمي بتجهيزه من أصناف إلا أنه هناك أيضا ما يلزم إحضاره من الأنواع الجاهزة من المطاعم ومحلات الحلوى، وهي تفتخر بأنه يكفي لإطعام الحي كله، ولكن للأسف يرمى به وقد لحق به الفساد.

وحدث أن اشتركت أختي، التي لم يتجوز عمرها السنوات العشر، في رحلة مع مدرستها إلى ملجأ للأيتام، وما أن عادت حتى لفها الصمت وخيم عليها الحزن، واعتبر الجميع أن ذلك رد فعل طبيعي لرؤية حال هؤلاء الأطفال، وأنها سرعان ما ستنسى، ولأنها كانت تتلثعم في كلماتها فلم نبالِ كثيرا بما حدث، ولكنها لم تعد تقبل على الطعام كما كانت تفعل، وأصبحت تتحاشى الجلوس معنا على مائدتنا، وحاولت أمي بكل جهدها وفنها أن تقدم لها ما كانت تهفو إليه من لذائذ الطعام والشراب لكن لم يزدها ذلك إلا نفورا، ورأى الطبيب أن حالها سيتحسن كلما بعدت عن تلك الذكرى.

وجاء خالي وابنته الوحيدة، لزيارتنا في أجازة قصيرة من إقامتهما في إحدى الدول الأوروبية، وكعادة أمي أعدت عدتها وأمضت الأيام في التحضير والاستعداد، ترحيبا بأخيها الذي بلا شك يشتاق لكل أكلات بلده وصنعة أخته ذات الصيت الذائع، وما أن حضر الطعام إلا وقد صاحت ابنته: لمن كل هذا؟، هل البلدة كلها مدعوة لتلك الوليمة؟.

ضحكت أمي قائلة: أبدا، ولكنه دأبنا في الترحاب.

وفرغ الجميع، وبقي ذلك الكم الهائل مما لذ وطاب، وأخذ خالي يروي لنا كيف أنه في اول أيامه في تلك البلاد، ذهب بأسرته الصغيرة لأحد المطاعم، وطلب أنواعا مختلفة كما اعتاد، وعندما هموا بالمغادرة وترك المائدة وبها الكثير من بواقي الطعام، إذا بسيدة تتقدم منه وتسأله: لماذا لم تطلبوا إلا ما يكفيكم من الطعام؟.

فأجابها: نحن أحرار.. لقد دفعنا ثمن هذا الطعام.

 فما كان منها ومن صاحب المطعم إلا الاتصال بالشرطة، ليحرر لهما الضابط مخالفة مالية، وحفر في أذهاننا تلك العبارة: "المال لكم، ولكن موارد البلد للجميع".

وفجر هذا الموقف الكلمات المحبوسة على لسان أختي الصغيرة، فقالت: نحن المسلمون أحق بالبعد عن الإسراف والتبذير، فكم حولنا من معدم محتاج.

شعرت أمي بالندم واحتضنت أختي تقبلها، وعزمت على القصد في أسلوبها، وربت أبي على يديها قائلا: عندما ترغبين في إعداد ما تتميزين به من أطعمة فلنحتسب ولنذهب به طازجا إلى المحتاجين والمعوزين، وهاهو الشهر الكريم قد اقترب فلعل الله يجعل لنا نصيبا في إفطار بعض فقراء المسلمين الصائمين.                        

بواسطة: أم الفضل
26/04/2017   |    136   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

فقه المرأة في رمضان ( ملف) مطبخك في رمضان.. نصائح ووصفات