` "المتخلف العبقري".. أحزان الطفل ومحبة الأب


"المتخلف العبقري".. أحزان الطفل ومحبة الأب

لاحظت خلال زيارتي لصديقتي العائدة بعد سنوات، أن زوجها - وهو أستاذ دكتور في كلية العلوم- كان يجري حوارا طويلا وتفصيليا مع ابنهما الصغير، بلهجة هادئة وحنونة كان يقنعه بأمر ما، ويقبل جدل ومناقشة الطفل.

سألت صديقتي على انفراد: ألا يخشى زوجك من دلال الطفل الزائد، وأن ينشأ عنيدا يجادل في كل صغيرة وكبيرة؟.

أجابت: إنه لا يرى في مناقشته وتربيته على الحوار أي تدليل، وإنما حق له أن نحبه ونحترمه وننمي عقله، ونعوده على التفكير والمناقشة، فهذا ما لا يجعله عنيدا مكابرا.

 واستطرت تحكي لي:

زوجي طارق كان الابن الأكبر في أسرته، يليه "علي" ثم "سارة"، وكان والداه متعلمين، ووالدته لا تعمل، كانا نصف متفاهمين،  نادرا ما ضرب والده أحدا منهم، لكنه كان دائما ما يهزأ ويسخر منهم، أما الأم فاعتادت على الكلمات القاسية والشتائم، فلا تظهر عطفا إلا إذا مرض أحد أولادها فتحتضنه وترعاه، حتى إن الواحد منهم كان يتمنى أن يطول تعبه، ومع الأسف كانا يناديان "طارق" دوما بـ"المتخلف".

منذ كان في الخامسة من عمره اذا سقط كوب من يده، أو ضرب أخاه، أو أخطأ في أي مسألة، يناديانه بـ"المتخلف" حتى أصبح وصفا ملازما له.

أما علي فهو "المتمرد" الذي يتعصب دائما، ويتعرض للعقاب والحبس والمنع.

كان طارق متفوقًا في دراسته، ويحب إخوته كثيرا، ولكنه كما يقال (يمشي بجانب الحائط). وكانت أخته سارة تخاف مثله، فالنقد اللاذع كان أسلوب الأب دائما، حتى لأبسط الأمور، إذا كان ترتيب طارق في فصله المدرسي الثاني كان بدلا من تشجيعه على التفوق، يقول له: "أيها المتخلف.. لماذا لم تكن الأول؟".

عندما حصل على مجموع عالٍ، لكن لا يكفي للالتحاق بالطب أو الصيدلة، قال له أبوه (طبعا يا متخلف لن تلحق بكليات القمة).. زاد من بكاء طارق وحزنه يومها فرحة أمهات وفخر آباء بطلبة أقل منه بكثير.

أما "عليّ" فكان يعترض ويثور، ويرد: "لسنا بهائم حتى نُهان ونعامل هكذا"، ولم يعد يهتم إلا بمعاندة والده، وتعمد مخالفته، يضيع المال المخصص للدروس الخصوصية، ويشتري به الدخان، ولم يستمع لنصح طارق بأن ينتبه لإصلاح نفسه والالتفات لمستقبله.

وذات يوم عندما عاد طارق من الجامعة، وجد والداه في حالة تأهب لاختفاء مبلغ من المال من المنزل، وانصب الشك على "عليّ"، كانا ينتظرانه بمنتهى الغيظ والتوعد،  وما أن عاد إلى البيت حتى قابله أبوه بالركل والضرب والتهديد، اتهمه بالسرقة وطرده من المنزل.

أراد طارق التدخل، ولكن "عليّ" كان قد خرج وهو يقسم ألا يعود، واختفى بالفعل، ولم يتوصل له أحد، حتى جاءهم خبر وفاته بجرعة قاتلة من الهروين.

سارة تمت خطبتها لرجل ميسور الحال سيء الخلق، وعندما أشار طارق بالرفض أسكته أبوه كالعادة، وطلقت بعد سنة وعادت إلى بيت أبويها بطفلها، يعيرانها بالفشل وهي بريئة منه.

التحق طارق بكلية العلوم، وتفوق في سنوات دراسته دون أن يحدثهم في البيت عن ذلك، كان الأب معتادا على الانتقاد، وليس التشجيع.

بعد تخرجه سعى أبوه ليجد له وظيفة في الشركة التي يعمل بها، لكن طارق قال بهدوء:" لا أريد هذه الوظيفة"، ثار أبوه قائلا:" ليس بإرادتك يا متخلف" فرد عليه:" أنا من أوائل دفعتي وسأحصل على تعيين جامعي"، فذهل الأب قائلا:" لماذا لم تخبرني يا متخلف؟!"، ثم بارك له وسكت.

 أنجز طارق رسالة الدكتوراه في وقت قياسي بامتياز، ويوم المناقشة عندما سلم أستاذه على أبيه، قال له: " ابنك طارق عبقريط"، ظن طارق لوهلة أن أباه سيرد:" بل هو متخلف"، لكنه كان فخورًا به.

 تجرأ طارق، وسأل استاذه:" يعني أنا لست متخلفا يا سيدي؟!"، وسالت الدموع من عينيه وارتعش جسده، واحتضنه أستاذه قائلا:"أنت عبقري القسم".

قال والده وهو يبكي: كنت أقسو عليكم خوفا على مستقبلكم..

تابعت صديقتي حوارها:" عندما أنجبنا طفلنا، أصر طارق أن يلتزم معه بقواعد التربية، وألا يدع الغضب يوما يتملكه، أو أن يتأثر بأساليب التربية الخاطئة المنتشرة التي تعتبر القسوة والسخرية حماية للأطفال والمراهقين من الدلال والغرور، وهي أقصر طريق لهدم ثقتهم وتحطيم كرامتهم".

مازال بداخل قلب زوجي أحزان، ومازال يخجل عندما يستمع للكلمة التي طالما وصف بها "المتخلف"، وما زال حزينا على أخيه، لكنه يحول الحزن إلى حب وتواصل واهتمام بابنه.

بواسطة: أم الفضل
19/07/2017   |    6405   

التعليقات

أضف تعليقك:
بواسطة: Huds   |    20/07/2017 09:32:00 ص

بجد دي رسالة جميلة جدا لكل اب وام احتوا اولادكم حتي مش شاطرين في المدرسة ...اكيد كل واحد فيهم متميز في حاجة ....فتش معاه عليها....الرسالة الحقيقية حبوا اولدكوا بجد لان دول أمانة من ربنا عندنا.

حكم وأمثال

الحُلم يتجسد من جديد الحُلم يتجسد من جديد 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب