"العنف الأسري".. قنبلة موقوتة تهدد استقرار المجتمعات "2"

نظام الحماية الأمني

وحول مسببات "العنف الأسري" من منظور أمني, وكيفية تعامل الجهة الأمنية مع البلاغ الذي يردها بشأن وقوع حالة عنف أسري, أفاد مدير شعبة التوجيه الفكري والمعنوي بشرطة منطقة المدينة المنورة, عضو لجنة الحماية الاجتماعية العقيد الدكتور عبدالله بن غديّر التويجري أن نظام الحماية يصنّف الإيذاء بأنه من أشكال الاستغلال أو إساءة المعاملة الجسدية أو النفسية أو الجنسية، أو التهديد به، يرتكبه شخص تجاه شخص آخر، متجاوزاً بذلك حدود ما له من ولاية عليه أو سلطة أو مسؤولية أو بسبب ما يربطهما من علاقة أسرية أو علاقة إعالة أو كفالة أو وصاية أو تبعية معيشية.

وعن كيفية التعامل مع حالات العنف الأسري التي ترد إلى الجهة الأمنية (الشرطة) أوضح التويجري أنه عند ورود البلاغ تقوم الشرطة باتخاذ اللازم حيال الحماية وأخذ الإجراء بوصفها حالة جنائية, مبيناً أن المادة الرابعة من نظام الحماية تضمن بأن تتولى الوزارة والشرطة تلقي البلاغات عن حالات الإيذاء، سواء كان ذلك ممن تعرض له مباشرة أو عن طريق الجهات الحكومية بما فيها الجهات الأمنية المختصة أو الصحية، أو الجهات الأهلية، أو ممن يطلع عليها, وإذا تلقت الشرطة بلاغاً عن حالة إيذاء، فإن عليها اتخاذ ما يدخل ضمن اختصاصها من إجراءات، وإحالة البلاغ مباشرة إلى الوزارة.

وأشار إلى أنه إذا ظهر من البلاغ خطورة الحالة أو أنها تشكّل تهديداً لحياة من تعرّض للإيذاء أو سلامته أو صحته, فإنه يتم اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحالة بما يتمشى مع خطورتها، بما في ذلك إبلاغ الحاكم الإداري، أو الجهات الأمنية المعنية، لاتخاذ ما يلزم كل بحسب اختصاصه، والتنسيق مع تلك الجهات، لضمان سلامة من تعرض للإيذاء بما في ذلك نقله أو نقل المعتدي إذا لزم الأمر إلى مكان الإيواء المناسب حتى زوال الخطر, ولذلك فالشرطة تكون مختصة بضمان سلامة من تعرض للإيذاء بنقله أو نقل المعتدي إلى مكان الإيواء المناسب حتى زوال الخطر.

وأضاف أن الإجراءات تتضمن التنسيق مع مستشفى الصحة النفسية لتقديم العلاج النفسي أو أي برنامج للتأهيل بما يلاءم كل حالة.

الدوافع من منظور أمني

وحول الدوافع والمسببات التي تؤدي إلى حدوث حالات العنف الأسري وفق منظور أمني, أكد التويجري أن الفقر والبطالة والضغوطات النفسية وتعاطي المخدرات وسوء العلاقة بين الزوجين, وعدم الانسجام بينهما, إضافة إلى ضعف الوازع الديني تعدّ أبرز الأسباب التي ينتج عنها حالات عنف أسري. وعدّ التّنشئة الخاطئة للزوجين أحد مسببات العنف التي قد ينشأ من خلالها الأبناء في بيئة غير صالحة, مما يجعلهم يتّصفون بالصّفات العدوانيّة وبالتّالي يكون تعاملهم مع أبنائهم مبنيّاً على الشّدّة والعنف.

وأشار إلى أن فقدان أسلوب الحوار الأسري كطريقة للتّقريب بين وجهات نظر الزوجين يعدّ كذلك سبباً آخر يؤدي إلى العنف بين أفراد الأسرة, فضلاً عن عدم تضمين المناهج التّعليميّة عن قضايا العنف الأسري, وكذلك وجود خلل في شخصية المعنف كالاضطرابات النفسية أو وجود مرض عقلي.

وأوضح أن حالات العنف الأسري ترتبط كثيراً بتعاطي المخدرات، مبيناً أن بعض حالات العنف الصادرة من الزوج يكون الزوج متعاطي للمخدرات, مشدداً على أن تدني المستوى التعليمي له أثر بالغ في صدور العنف, وعدم إدراك عواقبه على نفس المعنّف والمعنّف وعلى الأبناء, مؤكداً الحاجة الماسّة في التوسّع في دعم وإجراء البحوث العلمية والدراسات المتخصصة ذات العلاقة بالحماية من الإيذاء.

عناية الإسلام بالأسرة

من جانبه, استهل المستشار الأسري والتربوي مدرب البرامج الأسرية فهد حامد الحازمي حديثه, عن عناية ديننا الإسلامي بشئون الأسرة, وأهمية الحفاظ على كل فرد داخلها، وبعث الاستقرار النفسي، وبث الأمان فيهم وحفظ لكل فرد منهم حقوقه، ومحاسبا كل من يعتدي على هذه الحقوق، سواء بالتقصير أو بالعنف أو الإهمال ونظم سير الحياة في الأسرة, وعرّف كل واحد من أفراد الأسرة على حقوقه ماله وما عليه.

وذكر الحازمي أن نبينا صلى الله عليه وسلم أمرنا باللين مع الأطفال والتواضع لهم وتقبيلهم فقال عليه الصلاة والسلام موصياً بالرفق بالصغار والكبار "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا" وقال صلى الله عليه وسلم "ما جعل الرفق في شيء إلا زانه, وما نزع من شيء إلا شانه" وبذلك حفظ الإسلام حقوق الأطفال والزوجة فقال صلى الله عليه وسلم "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"، وأيضا حفظ حق الزوج وأمر بطاعته وحفظ بيته فقال عليه الصلاة والسلام" والمرأة راعية في بيت زوجها".

وأضاف الحازمي أن من أبرز مخاطر التفريط في حقوق الأسرة والعنف على أفرادها تعاطي الكحول والمخدرات والأمراض النفسية والاجتماعية لدى أحد الزوجين, والاعتلال في الصحة النفسية وعدم الإلمام بالأساليب التربوية أثناء تربية الأبناء وخصوصا" في مرحلة المراهقة. واختلال العلاقة بين الزوجين وعدم المعرفة بخصائص النمو وعدم المعرفة ببدائل العقاب.

وأوضح أن الأطفال هم امتداد ونواة هذا المجتمع, فالإحسان في تربيتهم والنجاح في قيادتهم يعني نجاح هذا المجتمع بإذن الله، مبيناً ان من أشكال العنف على الأطفال, الإهمال والذي يعدّ أكبر وأهم أنواع العنف ضد الأطفال, ويظهر ذلك واضحاً في الإهمال الصحي والنفقة والتواجد الفاعل مع الأطفال في أوقات الترفية ومتابعتهم في التعليم.

الآثار الخطيرة للعنف

وتابع قائلا : إن العنف الجسدي بالضرب والركل والتكسير والحرق والعنف الجنسي, وإبعاد الطفل عن والديه, وكذلك العنف النفسي والمعنوي كالتحرش الجنسي والسبّ والشتم وعدم تقدير الذات والتفرقة بين الأخوة, والتهديد من الآباء يعدّ شكلاً من أشكال العنف على الأطفال، مبيناً أن ذلك يعود بآثار سيئة على الأطفال في حياتهم الاجتماعية والتنموية والنفسية, وبالتالي يؤثر على تطورهم سلوكياً وتعليمياً، وينتج عن ذلك شخصية قلقة يصعب التعامل معها، وأيضاً يؤدي العنف على الطفل في إنتاج شخصية ضعيفة, تكون معرّضة للاستغلال، ومن آثار العنف أيضاً إدمان المخدرات, والاكتئاب, والفشل الدراسي, والتبول اللاإرادي, وغيرها من الأعراض التي تطال المعنّف.

وحث الحازمي الوالدين وأفراد الأسرة على ضرورة فحص الخاطب لابنتهم, والسؤال عنه قبل الموافقة على الزواج, من حيث سماته الشخصية, تجنباً لان تتعرض ابنتهم للعنف من زوجها ، مضيفا أنه عندما تكتشف الاسرة الخلل بعد الزواج يجب عليهم عدم التخلي عن ابنتهم بحجة عدم التدخل في حياتها الزوجية بل يجب علهم محاول علاج هذا الخلل أو إبعاد الزوجة عن الزوج المعنف والحرص على الانفصال المبكر. وأكد أن من أهم ما يهدم كيان الأسرة ويسبب الفراغ العاطفي العنف على الزوجات، مبيناً أن من أشكال هذا العنف, الضرب وعزل الزوجة اجتماعياً بإبعادها عن أهلها وصديقاتها, وحرمانها من زيارتهم, والتواصل معهم, وابتزاز الزوجة مالياً, والإساءة اللفظية, والتهديد بالقتل, وفصل وإبعاد الزوجة عن أي مصدر قوة مسانده لها، معللاً حدوث دوافع العنف الأسري إلى حبّ السيطرة على الضحية, بالإذلال والعزل والتهديد والحرمان والضرب.

ونبّه إلى أن العنف الأسري يؤدي إلى آثار خطيرة على الاسرة كاملة، مبيناً أن من هذه الآثار تفكّك الروابط الأسرية, وانعدام الثقة, وتلاشي الإحساس بالحرمان, مما يؤدي إلى أنها هذه الاسرة، والانحراف لأحد أفراد الاسرة، والفراغ العاطفي وطلب العاطفة خارج المنزل، مضيفاً أن للعنف آثار جسيمة على المجتمع بزيادة الطلاق والانحراف الفكري من اعتناق أفكار ضالة، وانتشار المخدرات بين أفراد المجتمع واللواط والفشل الدراسي.

حلول لتجنب العنف

واقترح حلولاً لتجنب العنف الأسري بالتدين الصحيح والابتعاد عن التشدّد، وبناء الثقافة الصحيحة حول الأسرة, وحضور البرامج والدورات والاستشارات  والقراءة والحذر من الإعلام الهدام وما يبثّه من سموم للأسرة لهدمها وحضور برامج ما قبل الزواج للزوجين لبناء حياة أسرية مستقرة مبنية على المعرفة والإلمام الكامل بفن التعامل مع الأولاد والبنات وخصوصا" مرحلة المراهقة وتقديم الاستشارات لمن تعرضوا للعنف الأسري.

وأضاف الحازمي أنه في حال تعرض أفراد الأسرة للعنف من أحد الأفراد في الأسرة أو ولي مستخدم للمخدرات يجب نزع الولاية منه حتى لو كان الأب, وإبعاده عن الأسرة لو بالسجن ورعاية الدولة لهذه الأسرة, وإنشاء مراكز يسهل الوصول إليها لتقديم الشكاوي ضد العنف الأسري مع إنشاء مراكز العلاج المعنفين وعدم بث روح التسلط عندما نربى أبنائنا وبناتنا بل تربيتهم على التكامل والتسامح وقبول الأخر والتعامل بالحب بدل من سياسة الترهيب.

مفاهيم خاطئة

وأفادت الباحثة رانية عسيلان بأن العنف الأسري كمفهوم يشمل كل أذى جسدي ونفسي وجنسي ولفظي يتعرض له فرد أو مجموعة أفراد داخل الأسرة ويكون المعتدي احد أفراد الأسرة وغالباً ما تكون الفئة المستضعفة في المجتمع من النساء والأطفال .

وقالت إن العنف كظاهرة يعد موجوداً في مجتمعنا وربما أصبح سلوكاً متأصلاً منذ أزمنة طويلة حتى أن بعض الأسر في بعض المناطق تقبلتها وأصبحت تدافع عنها وتؤيدها منها على سبيل المثال الحرمان من التعليم والمنع من الزواج, ولكي نحد من سلوك معين يجب أن نبدأ بتوضيح الحقوق لكل من الطفل والمرأة كونهم أكثر الفئات تعرضاً للعنف الأسري.

وأشارت إلى أن أكثر أسباب انتشار ظاهرة العنف ضد المرأة هو الفكر العنصري والمفهوم الخاطئ لقوامة الرجل وتشجيع المجتمع عليها والعصبية غير المبررة عند البعض, والفراغ والبطالة عند البعض الأخر, كما يعود في معظمه للتبعية الاقتصادية وعدم الوعي لدى المرأة بحقوقها وعدم رغبتها المطالبة بها نظراً للحاجة المادية, مُبينة أن المجتمع السعودي مجتمع متدين ومحافظ وديننا الحنيف لم يكن يوماً دافع للعنف ولكن انتشار العنف في المجتمع هو دليل على غياب الوازع الديني وضعف الروابط الأسرية.

أهمية برامج الاستشارات

ودعا عواد المحمدي إلى تعزيز البرامج الاجتماعية التي تقدّم الاستشارات النفسية والاجتماعية والأسرية للأفراد الذين ينتمون إلى الأسر التي تشهد حالات العنف, والتعاون مع الجمعيات المتخصصة في الجوانب التربوية لتخصيص برامج من هذا النوع لتثقيف الأطفال والأسر بالسلوكيات الحميدة, وإقامة محاضرات وفعاليات في الأسواق التجارية والأماكن العامة لتعزيز وتنمية الترابط الأسري والتعامل السويّ بين الأفراد داخل الأسرة الواحدة, مشيداً بالخطوات الطموحة والجيدة التي تبذلها الجمعيات الخيرية بالمدينة المنورة بخصوص إلحاق الشبان والشابات المقبلين على الزواج ببرامج التنمية الأسرية وما تتناوله من جوانب في كيفية التعامل بينهما لضمان حياة أسرية مستقرة بعيداً عن خطر العنف وأضراره المدمّرة.

تسريع إجراءات المحاكم

من جانبه دعا المواطن فرّاج المطيري المحاكم إلى تسريع إجراءات نزع ولاية الأب إذا ثبت عدم كفاءته وضرره على أسرته, وثبوت تورطه في ارتكاب جريمة عنف تجاه أحد أفرادها, وإعطائها إلى قريب آخر مع إلزامه بدفع النفقة، وفي حال تعذّر ذلك فيمكن إيجاد أسرة بديلة تتولى رعاية المعنّف في حال كان طفلاً, داعياً إلى تعزيز التواصل بين الضحايا والجهات الاستشارية المتاحة عن طريق إيجاد خطوط ساخنة لهذه الجهات يمكنها تقديم الاستشارات والمساعدة إذا تطلّب الأمر, والعمل على الإصلاح وتقويم سلوك المعنّف والمعنِّف بشكل متزامن للقضاء على أعراض العنف ووقف مثل هذه السلوكيات التي ينبذها الدين والفطرة.

مسؤولية مجتمعية مشتركة

وحمّل المواطن سليمان الحربي الأكاديميين والمعلمين في مؤسسات التعليم كافة من جامعات ومدارس, وكذلك أئمة وخطباء الجوامع والمختصين التربويين, والكتّاب مسئولية توعية المجتمع بأخطار العنف الأسري وما يجنيه أفراد الأسرة والمجتمع من أضرار بسبب تلك السلوكيات الخاطئة التي تفتك بالأسرة أولاً ويطال شررها المجتمع, وتعطي صورة قاتمة للمجتمع المسلم بسبب أفعال حرّمها ديننا الحنيف, ونبذها الشرع القويم.

ودعا إلى استحداث مقررات دراسية لتعليم الأطفال والناشئة كيفية التعامل الحسن, والتخاطب اللين, وردة الفعل تجاه الأمور التي قد تحدث في كل بيت, وعدم التسرّع والإقدام على تصرفات غير مسئولة يكون مرتكبها أحد ضحايا هذا السلوك العدواني, مؤكداً أهمية الأمان الأسري لدى أفراد المجتمع، والذي هو نواة للأمن الوطني.

من جانبه, أشار المواطن مبارك العروي إلى ما تشكّله الأسرة من أهمية في بناء المجتمعات الراقية سلوكاً وبناءً, بوصفها اللبنة الأولى والأساس في بناء المجتمع, فمتى ما صلح أهم مخرجات هذه الأسرة وهم الأبناء أخلاقياً وتربوياً وفكرياً ووعياً, صلح المجتمع الذي يقوم عليهم ويعتمد أساسا على هذه اللبنة الأساسية في بنائه.

وشدّد العروي على ضرورة إعطاء مختلف القضايا الأسرية أهميتها بالبحث والنقاش والتحليل والدراسات العلمية, لكشف أسبابها وما يؤثر فيها, تفادياً لحصول القضايا والمشاكل المجتمعية ونشوء إفرازات خطيرة عنها, قد تشكّل تحدياً أمنياً ودينياً وأخلاقياً وثقافياً خطيراً, ينعكس على المجتمع ككل، لنعود بعد ذلك في البحث والنقاش عن المسببات, محذراً من الآثار السلبية التي قد تشكّلها ظاهرة العنف الأسري على المجتمع بشكل عام, بدءاً بالآثار الاجتماعية بحدوث الطلاق, وتشتت الأبناء, وانحراف الأحداث, وتعاطي المخدرات والمسكرات, وكذلك الآثار السلبية النفسية مثل إصابة أحد أفراد الأسرة بالاكتئاب والاضطرابات, والضغوط النفسية والتوتر الذي ربما يؤدي إلى الانتحار, فضلاً عن الأعراض الصحية التي قد تنتج عنها حالات العنف الأسري كالإصابات الجسدية والعاهات وأمراض الضغط والسكر والقولون وغيرها من الأعراض التي لا يقتصر على أفراد الأسرة بل يتجاوز ضررها ليشمل الأقارب والمجتمع.

المصدر: وكالة الأنباء السعودية

بواسطة: رسالة المرأة
13/08/2017   |    444   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

أسئلة أطفالك عن العلاقة الحميمة افتتان الزوج على الإنترنت.. ماذا بعد؟!