فوائد الخوف!!

كثير من نظريات علم النفس الحديثة تتحدث عن أن "الخلاص من الخوف" أمر ضروري لكي يضمن الإنسان أن يعيش حياة سعيدة، ولكن بالرجوع إلى المنهج القرآني الرباني نجد أن الخوف مكوّن أساسي من مكوّنات النفس البشرية، ولذلك رتّب الله تعالى على هذه العملية المسمّاة بـ"الخوف" العديد من النتائج المفصلية والجوهرية في مستقبل الإنسان وحاضره.

المهم أن يتمكن الإنسان من توجيه دفة "الخوف" نحو الاتجاه الصحيح ويجعل خوفه الحقيقي من عقاب الله، ومن الهوان عليه، ومن الوقوع فيما يغضبه، فيتغلب على أي نوع آخر من المخاوف، وبذلك يكون الإنسان قد استثمر جبّلة خلقت فيه الاستثمار الأمثل، ولا أدلّ على هذا المعنى من قول الله تعالى (إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه فلا تخافوهم.. وخافون إن كنتم مؤمنين).

هذا يدلّ على أن العلاج الحقيقي للخوف لا يكون بقتل هذه الطبيعة البشرية ومحاولة الخلاص منها بالكلية حيث يصادم ذلك سنن الله تعالى الكونية في خلقه وإنما يكون العلاج بصرف مشاعر الخوف إلى المسار الصحيح ألا وهو الخوف من الجليل سبحانه.

وكما قد يتصور البعض أن التحرّر من الشهوة أمر مطلوب، وأن التحرّر من الخوف أمر أجمل ممّا هو في الواقع، كلنا نعرف شعور الرعب عندما يبتلعنا، لكن قلة هم من يعرفون الحياة دون خوف، ولذلك نحن نتخيل أن هذا سيجعلنا أكثر جرأة وشجاعة، لكن المفاجأة أن هذا في الواقع سيجعلنا أكثر حماقة، والخوف على ما يبدو جزء مهم من اتخاذ القرار.

الدراسة

خذي مثلاً حالة امرأة عمرها 24 عاماً سنسميها فاطمة، بدأت فاطمة تتعرض لنوبات بعد حرارة مرتفعة مستمرة لأسبوع، ثم أصبحت النوبات أكثر تردداً حتى مع الأدوية.

وخلال أسبوع صار دماغها في حالة حرجة تسمى "epilepticus-essentially"، هذه الحالة عبارة عن نوبة مستمرة، وحين فشل العلاج المعتاد في مساعدتها نفذ أطبائها عملية جراحية لمنع تدهور الحالة أكثر و تفادي إصابة الدماغ بأضرار إضافية أو حتى الموت، العملية المدعوة بالاستئصال الصدغي أزالت جزءً من دماغ فاطمة يبدو أنه المسؤول عن حوالي 80% من النوبات، وحققت العملية النجاح: صارت نوبات فاطمة تحت السيطرة وخرجت من المستشفى.

لكن هذه لم تكن نهاية القصة، فبعد خمسة سنوات دخلت فاطمة غرفة الطوارئ مرة أخرى، وكانت تعاني من نوبة عامة، وصفها الأطباء الحاضرون وقتها بأنها "سباتية وغير متجاوبة، لكنها مستقرة سريرياً" ، هنا تصبح الأمور غريبة، فوفقاً لتقرير الحالة الأصلي في مجلة علم الأعصاب ،الجراحة العصبية وعلم النفس (the journal of neurology، Neurosurgery، and Psychiatry) "تركت دون مراقبة في غرفة المعاينة، وبعد ثلاثين دقيقة تم العثور عليها في غرفة مجاورة على وشك أن تلقي بنفسها من النافذة".

حسناً، هذا ليس السلوك المعتاد لمرضى المستشفيات، كما لم تكن أول علامة على قدوم المشاكل، على مايبدو استمرت فاطمة بالتعرض لنوبات بعد إجرائها العملية، غالباً عند نسيانها الأدوية، ومن ساعة إلى ساعتين بعد كل نوبة تنخرط بطيف واسع من السلوكيات غير المعتادة، كما فقدت السيطرة عند تواجدها قرب الطعام في الفترة التالية للنوبات،.

ما الذي قد يشرح هذا السلوك المتهور اللذي غطى وجه سلوك فاطمة الطبيعي والذي هو خاطئ وفقاً للمجتمع؟. بداية، من المفيد أن نعلم بالضبط مافعله جرَّاح فاطمة، بدماغها، الاستئصال الصدغي الذي نفذه الطبيب أزال الجزء الأيسر من الجسم اللوزي من دماغها، منطقة مسؤولة عن تحديد المخاطر والشعور بالخوف، يعتقد أن الجسم اللوزي منطقة بدائية تحث ردود الفعل الغريزية، كالهرب من الخطر، ترين نمراً يطاردك فتهربين مثلاً، كما أنها جزء مهم من سبب الشعور بأن شيئاً ما ليس جيداً.

وبتذكيرنا بالخطر المحدق والضرر الذي يكاد يقع يستطيع هذا الجزء تعطيل اندفاعات أخرى، قد تشعر بالرغبة لإغواء جارك، لكن عامل الخوف (أو في هذه الحالة الشعور بالذنب والقرف) يستطيع سحق تلك الرغبة بأسرع مما يلزمك لتقول "ماذا لو تم اكتشافي؟"، تم إستئصال الجسم اللوزي لدى فاطمة من جانب واحد، الجانب الأيسر، والقسم الأيمن منه ظل سليماً، والذي على مايبدو كان كافياً للعمل بشكل سليم رغم إستئصال القسم الأيسر، لكن نوباتها المتكررة عطلت ماتبقى من الجسيم اللوزي مؤقتاً.

أي أن كل نوبة خلقت فترة زمنية كانت فيها بحال عملي كما لو تعرضت لاستئصال صدغي كامل، وفي هذه الفترة تحول سلوكها من الطبيعي إلى الغريب، حيث فقدت سيطرتها على عدد من الشهوات التي يحكمها الفرد بأكبر قدر من الحذر.

أعتقد أننا سنتفق على أن تقارير الحالات الطبية في المجلات العلمية الكثيرة الجدية أكثر إثارة للاهتمام مما كنا نتصور.

هذه الحالة تبدي أن غرائز الخوف البدائية مهمة في السيطرة على النفس كقدرة تتخطى سلطتها الغرائز الباقية، كما الكثير منا يسمح للخوف بإعتراض أهدافه الطويلة المدى، لكن هذا شيء سيء، لكنه من الخطأ أن تعتقد أن الحل يكمن في التخطي المطلق للخوف كلياً.

لن تستطيع (على الأقل دون استئصال صدغي)، وحتى إن استطعت، لن تعجبك النتائج، نحن بحاجة إلى غرائزنا لتعلمنا أن شيئاً ما خاطئ، تقييم عاطفي فوري أقوى حتى من الحجج المعقدة والمنطق.

الخلاصة

حينما يتعلق الأمر بالتحكم بالنفس، فإن الخوف.. ذلك الشعور الغريزي سيساعدك على اتخاذ قرار حكيم، على سبيل المثال، الناس اللذين يتعرضون لتشغيل مناطق الشعور بالألم عند التفكير بدفع ثمن شيء مكلف يكونون أكثر ميلاً إلى التمسك بأموالهم، والناس الذين يرون الكعك كتهديد لصحتهم وأهدافهم أكثر ميلاً إلى الالتزام بحمياتهم، في الكثير من الحالات يكون الضغط عدواً للسيطرة على النفس، ولكن أحياناً يكون هو حليفنا للانتصار في الحرب.

مصدر الدراسة: هنا

بواسطة: أحمد عباس
19/09/2017   |    334   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

أسئلة أطفالك عن العلاقة الحميمة افتتان الزوج على الإنترنت.. ماذا بعد؟!