ماذا لو تبقى من عمرك عام؟

لم يتطلف الطبيب في إخباره بالحقيقة، أمامك أقل من عام، والأعمار بيد الله، ولكن السرطان في مرحلته الثالثة، وما باليد حيلة.

ترك سيارته وعاد إلى البيت ماشيا، كان يتأمل كل ما مر به، حتى المظاهر التي طالما ضايقته بحنين بالغ، كل ذرة حوله شعر بمحبة عجيبة تجاهها، حتى المتسولين اللذين طالما تأفأف منهم، حتى القمامة في الطريق التي طان يتملكه الغضب بسببها، هذه الأضواء وألوان المحلات، وازدحام الأصوات الأطفال المشاغبين والباكين ومحاولات الأمهات لتهدئتهم.. تملكه شوق جارف لكل التفاصيل التي مرت عليه في حياته ولم يعشها، لأصغر الأمور التي كان غائبا عنها في همومه التي بدت له تافهة جدا الآن.

كل مشكلاته مع زوجته السابقة التي اقتطعت من عمره عمرًا.. حزينا أليمًا مليئا بالشك والإحباط، حسرته على عدم إنجابه، حسرته على أن ينقطع أثره من الدنيا وليس له من يخلفه ويملك جيناته وصفاته ويحمل عنه ذكرى، اليوم بدا له ذلك كله ضئيلا، وهو يعلم أن نفسه هو في طريقها للذبول، كانت أجدر بأن يهتم بها ويراعيها من حزنه على أحلام مفقودة.

لم يقو على الصعود لبيته، كان يعلم أن الحزن والخوف أكبر من أن يجعلانه متحملا لدفع الحياة اليومية كما كان يفعل في السابق. كان يخشى من مواجهة نفسه، كمن يظن أن شخصا عزيزا عليه سيموت قريبا فهو لا يقوى على مواجهته.

ومن قلب هذه المشاعر المتلاطمة تبدى له نورًا في العماء، سأعيش في هذا العام كما لم أعش من قبل، لو كان أسبوعا واحدًا ما تبقى لي في الدنيا، فسيكون أسبوعا يعدل 40 عاما مرت كلمحة بصر.

سأفعل كل يوم شيئا جديدا، بل أشياء.

سأعبد الله كما لم أعبده من قبل.

سأتذوق كل يوم طعما جديدا، سأرى ألوانا جديدة.

سأقابل أشخاصا جددا، وسأعرف نفسي كما لم أعرفها من قبل، فلربما ألقى الله وقد عرفته أكثر، أليست العلاقة بين تذكر النفس وتذكر الله وطيدة؟.. "نسوا الله فأنساهم أنفسهم"..

 وأنا سأعرف نفسي..

سأسير في الأرض.

وأتأمل في وجوه الناس والطبيعة.

سأفتح حواسي بحق.

سأحيا، فلا يليق بالموت أن يأتيني وأنا هامد في انتظاره!

عجيب أمرنا.. كم ندرك حقيقة الأمور وهي راحلة.

كم نشعر بحب أوطاننا ونحن في الغربة.

كم نأسى على الأقربين بعد أن يرحلوا.

كم نهدر الأوقات، ونحتقر الحياة، ونحن نعلم أن الموت محيط بنا. حتى إذا ما ظننا أنه اقترب جدا سرت فينا الروح متوقدة واثبة.

لم يبت صديقنا ليلته في بيته، بل ولا في مدينته، كان صبيحة اليوم التالي يشاهد لأول مرة في حياته النور تحت البحر، لم يكن يظن أن ثمة ما قد يُدهشه في الحياة، لكن سحرا سرى في أوصاله وهو يبصر على الطبيعة روعة الألوان والأسماك والأشجار والنور المتسلل في الأعماق.

لطالما كان ينظر إلى البحر بشكله المعهود وهو لا يعلم أن تحته كل هذه الحياة، وكل هذا الجمال. سكينة عمت أرجاء قلبه، ما نعلمه وما رأيناه ما هو إلا قطرة في بحر الملكوت.

وفي الليل كان يطالع النجوم في قلب الصحراء، لا يذكر أنه تأمل النجوم هكذا من قبل، بعيدا عن الأضواء والضوضاء.

سابحا في الفضاء سبّح عدد ما خلق الله في السماوات، وتفكر.. في جوهر الحياة لا قشورها الغبية المرهقة، تفكر.. فيما خلق الله في السماوات، وما غاب عنه من عوالم وحيوات، كما كان عالم تحت البحار غائبا عنه قبل ساعات.

وصلّى.. كما لم يُصلِّ من قبل صلّى، وتذوق لذة الكلام الإلهي، وبكى.. خشية اللقاء، وحزنا على الفراق.. بكى. وغمرته المودة.

وراقب الليل يتراجع شيئا فشيئا أمام ولادة نهار جديد، هذا أنا، وهبني الله عمرا جديدا من بعد ليل حالك لم أراقب فيه نجوما ولا صليت، كانت حياتي باهتة في غمرة المفقود والمفروض والمنسي.

في اليوم التالي كان طائرا، هذا الذي عاش 4 عقود يخاف الارتفاع، فوقه السماء وتحته البحر وهو بينهما يحمله صندوق ومظلة، أتلك هي نفسي ذاتها التي كانت ترتج بعد الطابق الثالث؟!..

أهذا هو أنا الذي لم يعد خائفا من شيء؟، عجبا.. ربما لو عشت 4 عقود أخرى كما كنت ما عشت أبدًا، عجبا ألم أكن أعرف أنني يوما ما سأموت، هل كان على طبيب أن يخبرني بقرب أجلي حتى أتحرر؟!

كان الطب عاجزا أمام حالته، وكان هو أيضا عنهم في شغل، إذا استبدت به آلام سكنّها ومضى، وإذا ثقل عن الحركة تذوق لذة الحياة جالسا وراقدًا، مستمعا وقارئًا وذاكرا.

لم يكن يلاحق الأمنيات، وإنما مقدرًا لكل ما تبقى، فلاحقته الأحلام، وشاركت قلبه ودربه رفيقة، وتشاركا البهجة مع أطفال فقدوا الملاذ، حنوا ورفقا وعطاءً.

وتحسّن.. ولكن دعونا من النهاية، فإن كل من عليها فان، والموت لا ينقلنا إلا للحياة، فالنهاية السعيدة ليست بالضرورة عمرًا أطول، فقصة الحياة في الكيف لا الكم.. عندما نحيا فلا يهم كم حيينا.

"فاسجد واقترب".. وقد تسجد سبعين مرة وتبتعد.

دمعة واحدة صادقة تقيك حر يوم مقداره ألف سنة.

بواسطة: مي عباس
29/10/2017   |    3970   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

أسئلة أطفالك عن العلاقة الحميمة افتتان الزوج على الإنترنت.. ماذا بعد؟!