` أمي التي شادت الدين فأبعدتنا


أمي التي شادت الدين فأبعدتنا

كنت الأوسط بين إخوتي، يكبرني أسامة، وتصغرني صفاء.

كان أبي طبيبا، أما والدتي فكانت معلمة، ومع الأسف فإن قسوتها المتناهية وعصبيتها الحادة وسرعة غضبها كانت سببا لمتاعب حياتي وحيرتي.

 كان أبي أخف وطأة منها، وغالبا ما كان مشغولا في عمله، مازلت أذكر سنوات المرحلة الابتدائية، بالضرب والإهانة وألوان  الحرمان المتعددة، ليس لي فقط بل لأختي أيضا فقد كانت تعاني أيضا وتفتقد كل معاني الحنان والاحتواء من أمها، وكانت تحتار من عصبيتها الغير مبررة، وتوترها بشكل كبير.

أسامة كان خوافًا، يطيع كلامها حتى لو كان متناقضا، أبي أحيانا كثيرا كان ينضم إليها في ضربي وحبسي بسبب أخطاء طفولية بسيطة كفقدان قلم، أو درجة متوسطة في إحدى المواد، أو شراء شيئا من مصروفي اعتبروه تافها، إلا أن أبي كان في غير وجودها هادئا لا يميل إلى العنف متفهما بعض الشيء.

ما كان غريبا وعجيبا ومثيرا للحيرة أنها كانت ملتزمة جدا بالصلاة، كانت تصلي كثيرا وتبكي كثيرا، ولكنها لا تمتنع عن إيذائنا ولمن تتعامل معهم، وكنت لا أصلي حتى أعاندها، وكانت تضربني بقسوة إلى أن اشتد عودي ولم تعد قادرة على ضربي وأدركت أن الحيوان الذي كانت تضربه قد بلغ أشده، فكانت تدعي علي بدعوات مازلت أتذكرها.  

بعد خلاف كبير بينها وبين أبي، بدا وكأنه لحظة النهاية له، تملكه الضيق، فاستأجر منزلا آخرا، عاش بعيدا عنها، تكشف لي مع الوقت كم كان يتحمل حدة طباعها حتى وصل لمرحلة لم يعد متحملا للتوتر والضغط المستمرين، ولحقت به عندما دخلت المرحلة الثانوية، فأقمت معه وتعرفت على معنى وطعم للحياة الهادئة، فأبي لا يغضب بلا سبب منطقي ويتصرف عند غضبه بروية.

روى لي أبي كثيرا عن ظروف أمي القاسية التي عانتها في صغرها مع زوجة أبيها، كان متفهما لوضعها النفسي ولكنه لم يعد قادرا على التحمل أكثر، صبر كثيرا لأجلنا، وشفقة عليها حتى وصل إلى نقطة العجز عن الاستمرار.

لم تحاول أمي مصالحة أبي، ومرت فترة حتى قررت أن أتواصل معها، ومع أخواي.

تزوجت أختي في ظروف غريبة، كانت تريد ترك البيت والفرار من الأذى، ولكنها سرعان ما طلقت وعادت بائسة حزينة.

أما أخي فواصل دراسته والتحق بالجامعة وكان لا يصلي إلا في وجود أمي، وبعيدا عنها يدخن ويقع في بعض المنكرات.

التحقتُ أنا بكلية الطب، وعقدت العزم على دراسة الطب النفسي، وبدأت أمي تقدرني قليلا، ولكنها لم تعد تفارق سجادة الصلاة، ودائما تشعر أنها لم تصلي وظلت لا تفارق سلوكها السيء البشع. استشرت بعض أساتذتي وأخبروني أنها تعاني من مرض الوسواس القهري، وأنها تشك في كل من حولها، ولا تحسن الظن بالله. لا تفكر إلا في عقوباته سبحانه، لا تتوقع إلا الهلاك، قلقة دائما غير قادرة على تربية أبنائها وطالباتها.

تحولت مشاعري كليا تجاه أمي. بدأت أتعاطف معها بشدة وأضع لها الدواء الذي حدده الأطباء، وتعلمت أن مريض الوسواس القهري بجانب الدواء بل وقبله محتاج منا للاحترام والفهم وتفعيل العلاج المعرفي السلوكي معه، ووفقني الله في علاج حالات كثيرة وأسأله دوام التوفيق ومساعدة المرضى.

أبي عاد إلى المنزل وتقريبا اجتمعنا سويا، وأيقنت أن ما عليه أمي ليس مقياسا، وأن تركي للصلاة كبيرة، وشرعت في تعلم ديني وجعلت هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم القائل: "لن يشاد الدين أحد إلا غلبه" نبراسًا لحياتي.      

بواسطة: أم الفضل
04/11/2017   |    7894   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

الحُلم يتجسد من جديد الحُلم يتجسد من جديد 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب