من السفارة إلى العطارة

سرت في جسدها قشعريرة الفرحة وهي تنظر إلى رف الأعشاب والتوابل في قسم العطارة بأحد المتاجر الكبرى.

كانت في هذه اللحظة تحديدا تشعر بشغف وحماس كأطفال يقتربون من شاطيء البحر مع أسرتهم للتنزه واللعب.

ضحكت من نفسها وتعجبت، مضت سنوات طويلة قبل أن تشعر بمثل هذا الشعور الخاطف اللذيذ. إنها حقًا متحمسة بلا تصنع ولا محاولة، ومن ماذا؟.. من التوابل!

جمعت أنواعا كثيرة ومتنوعة من الأعشاب والتوابل العربية والهندية والصينية والغربية، والكثير من المكونات الممزوجة. شعرت بأنها خبيرة، كانت تختار بثقة واحترافية رغم أنها قبل أشهر قليلة لم تكن لتستخدم سوى الملح والفلفل الأسود!

عادت إلى البيت، دخلت إلى المطبخ فلم تشعر بأنها أمضت أكثر من ساعتين، يقولون بأن المكتئب لا يفعل أي شيء باستغراق، حدثت نفسها بسرور: "حسنا أنا بعيدة عن الاكتئاب إذًا أخيرا".

ألقت نظرة فخر وابتهاج على مطبخها، كان على غير العادة منظما أنيقا مليئا بالتوابل المنسقة والتي تحمل كل علبة منها علامة جميلة باسمها، وثلاجتها الكبيرة كانت ممتلئة بالتجهيزات ليوم غد.

أرسلت لصديقتها وشريكتها الجديدة رسالة قصيرة: "كل شيء جاهز تماما".

أغلقت هاتفها، ودخلت إلى سريرها ورددت أذكار النوم واستسلمت بهدوء وراحة. هل للتوابل تأثيرا ساحرا عليها؟.. أتراها القرفة أم المستكة أم الشطة التي قضت على ساعات التفكير الزائد قبل النوم؟، أم أنه خليط الشغف الذي وصل أخيرا إلى قلبها وحياتها؟، لم تفلح دراسة السياسة والاقتصاد، ولا العمل في السفارة الذي أتاح لها السفر لدول كثيرة، في أن يلمسا الشغف بداخلها كما فعلت التوابل.

نامت كطفلة، لم تفكر في زوجها، ولا طليقها، ولا في ماضيها، ولا اجتاحتها المخاوف المعتادة على أمها، والمشاعر المتضاربة تجاه أبنائها، ولا كل تلك الأفكار السلبية المكررة عن حظها في الحياة، ورحلة بحثها الطويلة عن الحب والتقدير.

وفي الصباح استقبلت صديقتها وتشاركا القهوة سويا في بلكونتها الجميلة، كانت متحمسة ليوم الافتتاح لمطعمها الصغير، فبعد شهور من النجاح في إعداد الطعام البيتي وتسويقه إلكترونيا، قررتا افتتاح مطعم صغير مع الاستمرار في التسويق الإلكتروني أيضا.

دخلتا إلى المطعم الصغير الأنيق، صلت الضحى في أحد الأركان ودعت طويلا في سجودها أن يوفقهما الله ويبارك لهما، بينما كانت صديقتها تزيح الستائر الحمراء المربعة لتتسلل أشعة الشمس إلى المكان فتملؤه نشاطا ونورا.

كان المكان جميلا ببساطته، أنيقا بنظافته، رائعا بإطلالته الجبلية وما يحيط به من ورود وأشجار. وكان الافتتاح موفقا، مزدحما بأنواع مختلفة من الناس، بين أسر، وطلبة جامعات، وموظفات، وأطفال ومراهقين وكبار سن، لم تكف الطاولات القليلة في الداخل، فجلست الغالبية في الحديقة الخارجية يطالعون المنظر الجميل ويستمتعون برائحة الورود ومذاق الطعام البيتي الشهي.

في التاسعة مساء أغلقت باب المطعم، واحتضنت صديقتها بقوة، قفزتا فرحتين بنجاحهما الكبير المبشر، كانت أرباح اليوم الأول فوق المنتظر، ولم تخلفا عهدهما بصدقة يومية، أخرجتا مبلغا كبيرا لإطعام فقراء الحي شكرا لله على رزقه، وجددتا العهد والنية بإطعام الطعام.

انتبهت وهي تستعد للنوم أنها لم تمسك هاتفها طوال اليوم، أنها لم تفحص رسائلها ولا مرة، أن زوجها اتصل بها 3 مرات، وأنه ترك لها رسالة بأنه لن يتمكن من المجيء إليها هذا الأسبوع لأن زوجته الثالثة لديها موعد مع الطبيب لمتابعة حملها، وزوجته الأولى تحتاجه بشدة لمشكلات مع ابنهما الكبير تتطلب تدخله الفوري.

ابتسمت والنوم يداعب جفونها، وحمد الله أنه لن يأتِ هذا الأسبوع، فهي بحاجة لكل دقيقة حتى تستقر الأمور في المطعم، وتنظم مع صديقتها الوقت والعمل بشكل جيد.

وفي عطلة نهاية الأسبوع رأت الفخر في عين ابنتها المراهقة وأخيها الأصغر، كانت قد أعدت لهما مائدة مميزة وكعكة تحمل اسميهما، وكانا مندهشين من أمهما تملك هذا المكان وتديره، وعلى غير العادة اقتربت منها ابنتها وقبلتها، وطلبت منها أن تساعدهما ولو لبعض الوقت وتبعها أخيها في نفس الطلب، ابتسمت صديقتها وهي ترى دموع فرحتها، وقالت لهما: عظيم عظيم.. سنقبل بمساعدتكما وسنعطيكما راتبا في نهاية الشهر، ولكن بشرط الالتزام بقواعد العمل.

صفق الصغيران فرحا، واحتضنتهما أمهما، لأول مرة تشعر بذاك التقارب معهما، بحبهما، وتقديرهما، بفرصة أن تراهما كل يوم بعد سنوات من اللقاءات العابرة، حصيلة طلاقها من أبيهما، وزواجها، وإصرار الأب على التمسك بصغيريه وألا يعيشا في كنف رجل آخر.

بواسطة: مي عباس
21/11/2017   |    2869   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

أسئلة أطفالك عن العلاقة الحميمة افتتان الزوج على الإنترنت.. ماذا بعد؟!