` تأثير الحياة الاستهلاكية على جنون الطلاق

تأثير الحياة الاستهلاكية على جنون الطلاق

قبل عقود ليست بالبعيدة، كان الناس لا يكدسون الأغراض في البيوت، ويحرصون على متانة وجودة الأشياء قبل الشراء، كان الشراء عملية اقتصادية للحاجة الفعلية، وبعض التباهي، ولم يكن لعملية الشراء هذا الزخم النفسي كما في عصرنا الحالي.

كان الناس مع حرصهم على اختيار المنتج الجيد، وغالبا كانت المنتجات تصنع يدويا بحرفية ومهارة عاليتين، كانوا يسارعون إلى إصلاح الأشياء إذا بدر منها أقل خلل، يرقعون الثوب، ويصلحون الكسر.. إلخ

وكانوا أيضا يستخدمون الأشياء بحرص، كجزء من أخلاقهم وهدوئهم وتقديرهم لقيمة النعم.

تراجع قيمة الإصلاح

أما بعد عصر الاستهلاك، والذي تحولت فيه عملية الشراء بالمكانة الاجتماعية، والراحة النفسية، فقد تحولت الأغراض إلى ما يشبه النفايات، تمتليء الدواليب والخزانات بالملابس والأواني والأحذية والألعاب التي لا يستفيد بها أصحابها، بل وربما مع الوقت ينسون وجودها نظرا للتكدس!

لم يعد الناس يدققون في الجودة، فكثرة المصانع والاستيراد جعل الأغراض متوفرة بكثرة ولكنها أقل جودة، وبالتالي لم يعد لفكرة الإصلاح معنى، إذا بدا التلف في أي غرض فإنه يُلقى ويستبدل به غيره.

ترتبط ثقافة الاستهلاك ارتباطا وثيقا بالإسراف والاستبدال، لا يعرف الإنسان الاستهلاكي شيئا عن إصلاح ما لديه. أسهل طريق لديه هو الشراء، ولسان حاله ومقاله "شراء جديد أيسر وأوفر من إصلاح القديم".

واليوم يأخذ عصر الاستهلاك منحى جديدا في ظل التكنولوجيا الحديثة، والتسويق الرقمي، أصبح فيه للمستهلك قوة وتمكنا لم يوجد من قبل عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات المختلفة التي تتيح له البحث عما يريد ومناقشة البائع، ومقارنة السلع، وهي كذلك أغرقته بوابل من الإعلانات والدعايا وتجارب المستهلكين التي تغريه دوما بالشراء، وتجعله مدفوعا باستمرار للمزيد من الاقتناء.

ثقافة الاستهلاك والطلاق

إن أنماط حياتنا ليست منعزلة، بل متداخلة ومتبادلة التأثير، فسلوكنا الاقتصادي يؤثر على مشاعرنا، ويؤثر كلاهما على علاقاتنا وحياتنا الاجتماعية، وتصوراتنا عن الحياة.

عصر الاستهلاك أضعف جدا من موهبة الإصلاح لدى الإنسان، وجعله في أغلب الأحيان يتعامل مع الأشخاص وكأنهم "أشياء"، يمكن استبدالها أو إلقائها عند أول مشكلة أو خلاف أو صعوبة، تماما كما يفعل مع ثوبه وأجهزته وأغراضه المختلفة.

لا يمكن فصل ظاهرة الطلاق عن ظاهرة الاستهلاك، فكلتاهما لها جذر رئيسي وهو "قلة الصبر"، يحتاج استمرار الزواج وسعادته إلى صبر جميل طويل، وكذلك يحتاج كبح جماح النفس عن الاستهلاك، وإصلاح الأغراض بدلا من شراء الجديد.

قديما كان الناس يدققون قبل الزواج، كلا الطرفين الرجل والمرأة كان يسأل ويبحث ويختبر الطرف الآخر وأهله وطريقته، وكذلك كانوا يفعلون عند اقتنائهم لأغراض البيت والحياة التي كان يطلق عليها "سلعا معمرة"- قبل أن يصيبها في زماننا الموت المبكر-.

وليس المقصود تشبيه الزواج بالشراء، وإنما التداخل والتأثير بين السلوك الاقتصادي النفسي والسلوك الاجتماعي، فشخصية الإنسان نسق واحد يتأثر بمكوناته وتفاعلاته.

في نفسية إنسان اليوم المستهلك، إذا أتعبه شريك حياته، فلا صبر ولا أمل، وإنما فراق وبداية جديدة موهومة بالسعادة. هكذا تحرمنا الخيارات من السعادة بما لدينا أحيانا.

وكما أصبح الشراء سهلا بضغطة زر على الإنترنت، وعبر مئات الخيارات على فيسبوك، أصبح كذلك تكوين علاقات كاذبة ومهترئة وإن بدت ملونة خلف أسواء الغموض سهلا جدا.

إن مكانة الإنسان لا ينبغي أبدا أن ترتبط بمقتنياته، وإنما بقدرته على حفظ النعم وتقديرها، وإصلاح ما لديه.

بواسطة: مي عباس
13/12/2017   |    4002   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

خمس خطوات عملية للاستعداد لرمضان زوجي العزيز.. عفوًا لقد نفذ رصيدكم! 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب