` الخناقات الزوجية.. من المقص والعنكبوت إلى الفنغ شوي


الخناقات الزوجية.. من المقص والعنكبوت إلى الفنغ شوي

خرجت سيدة حسنة المظهر تتحدث بطريقة مرتبة على إحدى القنوات الفضائية لتخبرنا أنها تعرف سر ال"خناقات" الزوجية. توقعت أن تتحدث عن وسائل التواصل الاجتماعي التي أبعدت الزوجين عن بعضهما، أو عن ضغوط الحياة التي تقلل فترات التواصل والهدوء بين الزوجين، ولكنها في الحقيقة أخذتني إلى مكان آخر تماما.. لقد أخذتني وأخذت المشاهدين إلى المطبخ، نعم المطبخ، لا ليس إلى الثلاجة التي قد تسبب زيادة الوزن مثلا، ولا إلى درج الملاعق الذي إذا أصابته الرطوبة وكانت الملاعق سيئة الرائحة تضايق الزوج وتبادل مع زوجته اتهامات التقصير، لا.. ليس هناك أي شيء منطقي مهما كان صغيرا. لقد قالت السيدة إن سبب الخلافات الزوجية هو وضع البوتاجاز إلى جانب الحوض، وهذا ببساطة معناه أنك تضع الماء بجانب النار، وكيف تجرؤ على فعل هذا ثم لا تتوقع حدوث خلافات بين الزوجين بوضع مادتين مختلفتين في الطبيعة متجاورتين؟!

تكلمت السيدة بثقة – تُحسد عليها- حقيقة، مؤكدة أن ما تقوله ليس مجرد رأي وإنما علم الفنغ شوي، ولكن بنفس منطقها الهزلي، يمكنني أن أنصح الزوجين بنفس ما حذرتهما منه، فوضع الحوض "ماء" إلى جانب البوتاجاز "نار" لتنطفيء خلافاتهما سريعا ولا تكبر، فالماء يطفيء النار.. ثم ألصق ما توصلت إليه إلى علم "الها تشو" أو البوم بوم".

قديما كان الناس يربطون بين الخلافات الزوجية وبعض الأفعال مثل فتح المقص وغلقه، والشبشب المقلوب، وغيرها من الخرافات التي تنشأ بسبب الجهل، ما يدفع الناس إلى التوصل لأمور يظنونها حقائق لمجرد الارتباط العرضي بين حدوثها بالتزامن مع وقوع مشكلة. والتزامن لدى من لديه أدنى درجات التعلم ليس بدليل على الإطلاق، فكم من أشياء تتزامن – أي تحدث في نفس الوقت- بدون ارتباط أو سببية. فلو حدث زلزال أثناء تناولك للمكرونة، فلا يدل هذا بالقطع على أن المكرونة تسبب الزلازل، وهكذا فإن أغلب الخرافات نشأت في العقول البدائية الجاهلة نتيجة للتزامن فحسب.

ومثل فتح المقص وغلقه، هناك اعتقاد بأن وجود العناكب في أركان البيت، والتراب، هذا وإن كان التخلص منهما دليلا على النظافة، إلا أن بقاءهما لا يجلب مشكلة زوجية، وهناك من يعتقد بأن قص الأظافر ليلًا ينقص العمر، وأن الدخول على المرأة المرضع بكيس فيه لحم يقطع لبنها، وأن رؤية المتزوجة حديثا للدواب والحمير بشكل مفاجيء يقطع حبلها!

هذه الخرافات تبدو مضحكة وهزلية جدا لدى الشباب ، ويعتبرونها من موروثات كبار السن نتيجة لقلة العلم وضعف المعرفة بالعقيدة الصحيحة التي تستوجب عدم التطير والتشاؤم، وعدم نسبة النفع والضر إلا لله تعالى، ولكن الغريب والمؤسف أنها تعود الآن وتنتشر مجددا على يد ناشري الخزعبلات من المهووسين بالحضارات الشرقية وخاصة البوذية.

نعم الحكمة ضالة المؤمن، ولا بأس من الاستفادة بتمرين عقلي مفيد، أو نصائح صحية، أو وصفات غذائية من أيٍ كان إذا ثبتت علميا أو ترجحت فائدتها، ولكن أن يخرج أي إنسان ليعلن أنه اكتشف سر السعادة العميقة بأن ترش الملح في الأركان، أو أنه توصل لسبب الخلافات الزوجية العديدة بمكان البوتاجاز في المطبخ، فهذه أمور لا تستحق إلا الضحك والسخرية، وتصديقها من قبل البعض يدفع للبكاء!

الخرافة تبقى خرافة مهما وصفها أصحابها بـ"العلم"، والفنج شوي ستظل مجرد فلسفة صينية شعبية متهالكة مهما تجرأ محبوها على وضع كلمة "علم" قبلها"، تماما كما سيبقى التنجيم تنجيما مهما حاول المشتغلون به ربطه بـ"علم الفلك"، فالخرافة قد تتقاطع مع العلم في بعض المسميات والأبجديات، ولكنها سرعان ما تفترق تماما بل وتتضاد في المصداقية والثبوت وطرق التوصل.

العلم له أدواته، ولا يثبت إلا بسلسلة من الشروط، لا تكون الفرضيات حقائق هكذا لأن شخصا قال بها، أو لأنها منتشرة، فالأكاذيب دوما هي الأكثر انتشارا وتصديقا!

بل ولا تكون الفرضية نظرية علمية إلا بعد أن تنجح في تجارب عديدة، وتستند إلى شواهد وأدلة.

فالطاقة مصطلح علمي هام ومتنوع ومتداخل في العديد من الظواهر الطبيعية، ولكن نفس الاسم إذا استخدمته ناسك فوق جبال التبت قد تكون له دلالة أخرى تماما منقطعة تماما عن العلم، هكذا هو الأمر مع الفنغ شوي، فاستخدامه للفظ الطاقة كشيء ينبعث من الأثاث ويؤثر على صحة الإنسان ومزاجه، لا يجعل هذا الكلام والنصائح والمعتقدات علمية فقط لأنها تستخدم لفظ علمي.

التراث الإنساني بجده وهزله، وخرافاته وحكمته كبير جدا وممتد، منه المعلوم والمجهول، والمفقود والبالي المتهالك، ولدى الحضارات الشرقية بالذات كمية هائلة من الكتب والموروثات التي تعكس وفرة الخيال وتفيد الباحثين في الأنثروبولجيا وتكون الأساطير، ولكن أن نقتطع منها تفاصيل لترتبط بأمورنا الحياتية اليومية، ومشاكلنا المركبة، فهذا ما هو إلا هروب وفقر في الحلول وسيطرة للدجل.

بواسطة: مي عباس
22/12/2017   |    3706   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

نصائح ووصفات شهية لأكلات عيد الأضحى زوجي العزيز.. عفوًا لقد نفذ رصيدكم! 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب