` عودي ليعود دفء الحياة


عودي ليعود دفء الحياة

بينما كنت أمسك بيد أختي الصغيرة، ونرقب مجيء أبي ليأخذنا في نهاية اليوم الدراسي كالمعتاد لم أنتبه لصوت مديرة المدرسة وهي تكلمني؛ فقد كان جسدي كله يرتجف ويكاد الحزن يقتل قلبي الصغير، فإذا بها تضمنا وتذهب بنا إلى حجرتها. أمرت بإحضار مشروب دافيء لنا، ولكني لم أستطع تناوله، فأخذت تربت على كتفي: "ما بك يا أمل؟!.. مضت عليك فترة طويلة وأنت متغيرة، وقد لاحظت معلماتك هذا التغير، صامتة طوال الوقت، ومستواكِ الدراسي انخفض".

بللت الدموع وجهي، واختنقت الكلمات في صدري، وكأني أحمل جبال الدنيا فوق رأسي الصغير، لم أدرِ ما أقول إلا أني لا أريد أن تأخذني تلك المرأة التي تدعي أنها أمي لأنها ولدتني، لا أعرفها فقد فتحت عيني على التي فاضت علي بنبع من الحنان والرعاية، لا أتذكر إلا أنه عندما كنت على وشك الالتحاق بالمدرسة رأيتها لأول مرة، وقد جاءت لتراني على عجل واختفت، ولم أبالِ بها ولا بمن تكون.

كانت الحكايات تدور حولها أحيانا، يحكي أبي كيف أنها طُلقت منه بعد زواجهما بعام واحد، عندما تعرض لأزمة مالية، ولم تحتمل ضيق العيش، وألقت بي وتخلت، وما لبثت أن تزوجت من ثري وسافرت خارج البلاد وانقطعت أخبارها.

وتنزلت رحمات الله علي وعلى أبي حين وفقه للزواج من تلك التي فرحت بوجودي، وترعرت بين يديها وقد ألقى الله محبتي في قلبها، هي أمي ولا أعرف أُمًا سواها، وتوالت الرحمات حين وهبنا الله بأختي الصغيرة، ولم أشعر للحظة أن أمنا تفرق بيننا في المحبة بل دائما ماكنت تردد أن وجود الصغيرة زاد من محبتها لي.

كان الدفء يملأ بيتنا إلى أن هبت الأعاصير حولنا، حين عادت الوالدة من غربتها وظهرت في حياتنا وقد بلغتُ العاشرة من عمري لتعلن أنها قد طلقت من ذلك الثري، وقررت الاستقرار لتبقى بجانبنا، وأخذت تحاصر أبي وتحاول التواصل معه ومعي وتدعي أنها لن تتركني وتريدني معها، وملأ الخوف قلبي، ودب النزاع بين أبي وأمي، وتزلزل كياني.

كنت أرى أمي تبكي كثيرا وتفلت أعصابها، وتتفوه بعبارات وكلمات لم أدرِ مغزاها ولا أستوعب ما وراءها من غيرة وغضب ورفض وقلق، تبدلت أحوالنا، وامتلأ قلبي الصغير بالضيق والغضب حين رأيت ضعف أبي وتوانيه في وضع حد لتلك المأساة التي تُوجت بذهاب أمي إلى بيت أهلها، وتركتني وأختي مع أبي حتى نستطيع مواصلة الذهاب إلى المدرسة، وقد احتضنتنا ووعدتني أن نكون معًا بمجرد أن تضع حملها وتلد أخي الصغير الذي في بطنها، عشش البرد على بيتنا، وأصبح البكاء رفيقنا أنا وأختي، وكانت الأيام تمر بطيئة ثقيلة.

وبينما أنا غارقة في أفكاري في حجرة المديرة، عاجزة عن البوح، إذا بأبي قد جاء ليصحبنا من المدرسة، ولمحت من وراء دموعي وجهه وقد أشرق وبدت عليه علامات الرضا، وضمنا إلى صدره قائلا لقد انكشفت الغمة سنذهب لإرجاع أمكم فقد اتصلت بها واتفقنا وذهبت التي هددت سكينتنا ولن تستطيع تفريق شملنا، كدت أطير من الفرح وأهديتها صحبة الورد التي تحبها وقد كتبنا عليها: "مع حبنا وقبلاتنا عودي لنا ليعود الدفء لحياتنا".                          

بواسطة: أم الفضل
25/12/2017   |    5097   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

الحُلم يتجسد من جديد الحُلم يتجسد من جديد 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب