` طفلتي الحبيبة خارج أسوار خوفي


طفلتي الحبيبة خارج أسوار خوفي

تأملت وجه صغيرتها الجميل وهي نائمة بعد أن قصت لها "حدوتة" جميلة، مسحت على خصلاتها الناعمة بحنان وهي تقرأ المعوذتين، مررت أناملها على جبينها وخديها، قبلتها بحب بالغ، كلما أرادت النهوض من جوارها عادت مرة أخرى، كانت تحبها أكثر من كل شخص، وكل شيء أحبته في حياتها، كانت في قلبها أختها التي لم تنعم بها يوما، وأمها التي رحلت إلى بارئها تاركة شوقا عظيما في قلبها، وطفلتها المدللة التي طال انتظارها، كانت ترى فيها ماضيها وثمرة أيامها، ومستقبلها، ولا تطيق الحياة بعيدا عنها.

وبقدر سعادتها بطفلتها الجميلة الذكية التي تسحر لب كل من يراها، بقدر ما كان القلق والخوف يخيم على قلبها بسببها، فما أن تغمض عينيها لتنام حتى تتابع على عقلها أفكارا مقلقة عما قد يصيب صغيرتها من أذى، تفكر في كل شيء على أنه مصدر للخطر، لم تذهب لحضانة خوفا عليها من الأمراض، وخوفا عليها من أن يعاملها أحد بقسوة أو يكلمها بطريقة تخدش مشاعرها الرقيقة، وعندما اضطرت للتقديم في مدرسة اختارت أفضل مدارس الحي رغم أن مصروفاتها تفوق قدراتها، ولكنها لا تذهب بها للمدرسة أيضا إلا قليلا، ولا تسمح لها باللعب في الشارع، وعندما تذهبان للنادي ترافقها في كل خطوة، ولا تتيح لها الاشتراك في نشاط مستقل مهما كانت درجة الأمان والتنظيم.

لم يتوقف القلق عند حد الخوف على طفلة لم تتجاوز الستة أعوام، بل كانت كثيرا ما تسرح بخيالها في ابنتها وهي مراهقة وتخاف عليها جدا أن يخدعها أحدهم ويتلاعب بقلبها ويجرح مشاعرها، وتخاف عليها من صديقات السوء، وتخاف عليها أيضا أن تبقى وحيدة بلا صديقات.

وفي قطار القلق الذي لا يهدأ كانت تصل إلى تخيل ابنتها وهي تلد، فتخاف عليها آلام الولادة ومتاعبها وما قد يلحق بها من خطر.

كان القلق هو اللص الخفي الذي يسرق سعادة الحب، ويحوّل النعمة إلى نقمة، ويحتل الخيال فيملأه خطرا وتشاؤما.

وذات مرة كانت تتنزه مع طفلتها في النادي، تحرص أن تحرك لها الأرجوحة بنفسها، عندما وجدت الصغيرة تنادي على طفلة أخرى وتنزل فجأة من على الأرجوحة لتحتضنها، تعجبت.. من أين عرفت ابنتي هذه الطفلة وهي لا ترى أحدا؟.

قالت الصغيرة بحماس: إنها زميلتي في المدرسة يا أمي، التقيت بها عندما ذهبت في أول العام.

قالت لها الطفلة الأخرى: لماذا لا تأتين للمدرسة؟

صمتت الطفلة، فأجابت الأم سريعا: إن شاء الله سوف تأتي.

ردت ابنتها فرحة: حقا يا أمي؟

قالت الأم بحيرة: إن شاء الله يا حبيبتي.

ثم توجهت للطفلة الأخرى وسألتها: أين والدتك أو والدك يا عزيزتي؟.

ردت الطفلة: أمي هناك على الطاولة، تركتهم لألعب هنا.

تعجبت في نفسها من الأم لتركها الصغيرة تلعب وحدها، ولكنها وجدت ابنتها تفلت يدها بقوة، وتصرخ: أمي أرجوك اذهبي للجلوس على الطاولة أمامنا، سألعب مع صديقتي وآتي إليك وحدي.

رفضت الأم فدخلت الطفلة في نوبة بكاء غاضب أشبه بالاحتجاج.

اضطرت الأم للتأخر قليلا وعيناها لا تفارقان الطفلة، عندما فوجئت بمن يربت على ظهرها، كانت أم الطفلة الأخرى تسلم عليها، ودار بينهما هذا الحوار:

 ـ لا أراكِ في النادي كثيرا، ولا في اجتماعات المدرسة.

ـ فعلا أنا لا أحضرها، ابنتي أصلا لا تذهب للمدرسة إلا قليلا.

ـ لماذا؟

ـ أفضل التعليم المنزلي.

ـ نعم أسمع عنه كثيرا، ولكنه يتطلب تعويض اجتماعي وأنشطة جماعية للطفل.

صمتت، فتابعت والدة الطفلة: أنا أخاف على طفلتي كثيرا، فهي آخر العنقود، ولكنني أستعين بالله وأدعوه دوما أن يحفظها، وأحرص أن تكتسب مهارات مختلفة وتكوّن صداقات، فحبي لها يجب أن يكون قوة لها، لا أن يخنقها ويدمر ثقتها.

أجابت بتردد: نعم أتفهم كلامك، ولكن في الحقيقة أرى الجرائم والفتن حولي وأخاف عليها كثيرا.

قالت أم الطفلة: دوما هناك الجيد والسيء، فلماذا نركز على السيء بينما هناك الكثير من الأمور المطمئنة والمبشرة، وبين المراعاة المطلوبة والاهتمام الزائد فارق مؤثلر جدا في تكوين شخصية الأطفال.

عادت الطفلتان مبتهجتان، أخذت صغيرتها وودعتا الأم وطفلتها، وفي المنزل فكرت كثيرا فيما دار بينهما من حوار، حتى أتت إليها ابنتها قائلة: "أمي.. أظن أن زميلتي أسعد مني".

وقعت الكلمة على الأم كالقنبلة، صدمت قلبها، شعرت فجأة أن حبها كان أنانيا، والأهم أنه كان مفتقدا للتوكل على الله.

قررت التغيير، وتردد من المذياع قوله تعالى: "وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا".

بواسطة: مي عباس
22/01/2018   |    2674   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

البطلة زوجي العزيز.. عفوًا لقد نفذ رصيدكم! 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب