` صفحات طويت


صفحات طويت

أضاءت الأنوار أركان المنزل، وزُينت جدرانه من الداخل والخارج بألوان الزينات المبهجة، وتعالت الأصوات بالتهاني، وازدحم المكان بالأحباب، فاليوم يوم عرس قرة العيون الذي أفاض الله عليه بوضع  محبته في قلوب المحيطين به، وانسابت دموع السعادة، والشكر لله على خدود من تلقفوه رضيعا ملقى به على قارعة طريق شهد مصرع كل من كان يحمله ذلك الباص، واحترق ما كان بداخله إلا هذا الصغير الذي حفظه الله لأمر كان مفعولا.

حملته تلك الطبيبة مسرعة إلى مركز رعاية الأمومة والطفولة الذي تعمل به لتقديم العون السريع له، وأخذ قلبها يرفرف وهي تتصل بأختها الكبرى التي دام زواجها أكثر من عشرين عاما، ولم ترزق بأطفال، والتي أصرت ألا تنفصل عن زوجها لخصاله الطيبة الصالحة، ورضيت بقدر الله فيه أن جعله عقيما، فإذا بها تتلقى مكالمة أختها تدعوها وزوجها ليحملا "يوسف" في حضنيهما، وليكونا الأسرة البديلة له، وتمت الإجراءات بيسر، وأسرعت زوجة أخيها التي تسكن بجوارها لترضعه مع ابنتها الرضيعة، وهكذا ما هي إلا أيام وقد أصبح له منزل يضمه بحب وعناية، ويشع هو سعادة ودفئا على ساكنيه،  أم وأب وأخت بالرضاعة، ولكنه في صغره كان يناديهما بالخال والخالة، فأبوه وأمه يعيشان معه في بيتهما.

والتحق بالمدرسة وبراءة الطفولة تحجب عنه أية تساؤلات، فلم يكن يبالي حين يكتب اسمه كاملا على دفاتره  فلا يجد فيه اسم ذلك الرجل الذي يعيش في كنفه، وإن سأل سؤالا عابر كفته تلك الإجابة البسيطة: "هناك الكثير من الناس يحملون أكثر من اسم".

وكبر مع الأيام وقد أُحيط بكل حب ورعاية، وعلى مشارف مرحلة المراهقة، بدأت أذناه تلتقط بعض التصريحات، وعبارات التجريح من أناس يتلذذون باختيار الأساليب الهدامة لإفساد أمن وأمان الآخرين، وأصبح حائرا يريد السؤال ويخشى الجواب، ثم ما لبثت المنية أن أدركت ذلك الرجل الصالح الذي رباه، ولم يعلم أبا سواه، وفي العزاء وقلبه يكاد ينفطر من البكاء همس أحدهم في أذنيه: "لماذا كل هذا؟ إنه ليس أباك" شعر بتصدع كل أركانه وتحطم أعصابه، وأصبح هائما يطرق باب كل من ظنه خال وخالة، ومن عاش سنواته الماضية على أنه عم أو عمه: "من أنا؟، وأين من كان لابد من وجودي معهم؟، أين والدي الحقيقين؟، وأين العصب والرحم؟ ولماذا لم يدركني منهم أحد؟".

كادت المشاعرالمتلاطمة من حيرة وقلق وحزن وخوف وغضب وألم أن تعصف به، والتف حوله من تلقفوه صغيرا ضعيفا ليواصلوا دعمه وتثبيته، واحتضنته أمه التي ربته لتمسح عنه كل ما يهمه، فقد ظلت تفعل ذلك معه طوال عمره، وذكرته بما كانت تغرسه فيه دائما من ثقة بالنفس، وأن ميزان المرء حسن خلقه وما يحققه وينجح فيه.

وتذكر نصيحة ذلك الذي رباه: "إذا ضاقت عليك الأرض، وضاقت عليك نفسك، ففر إلى الله"، وكيف كان يصطحبه إلى المسجد ويطرحه بين يدي الشيخ هناك الذي يعلمه ويحفظه آيات القرآن، وكيف أحبه وكيف كانت العلاقات الطيبة بين أسرتيهما.

وهرع إلى لمسجد يبث همومه إلى ربه ويعاهد شيخه طي الصفحات المؤلمة ومواصلة طريقه في الحياة بالصدق والعمل الصالح.

وأتم دراسته والتحق بوظيفة مرموقة، ووافق شيخه على تزويجة بابنته، وعندما رزق بأول مولود له احتضنه وسط جميع محبيه قائلا: "أنا أبوه".

بواسطة: تهاني الشروني
04/03/2018   |    676   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

الحُلم يتجسد من جديد الحُلم يتجسد من جديد 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب