` رحلتي مع الصلاة.. "أرحنا بها"


رحلتي مع الصلاة.. "أرحنا بها"

قامت على عجل قبيل أذان العصر بدقائق لتدرك الظهر، جرت إلى الحمام لتتوضأ، غطت رأسها سريعا بطرحة ملقاة على الأريكة، وكبرت لتصلي، قرأت الفاتحة فقط وبسرعة، أزاحت بيدها ألعابا وأوراقا من موضع سجودها، وفي الركعة الثالثة سمعت أذان العصر، شعرت بالأسف أنها لم تتم الصلاة قبل دخول وقت الصلاة التالية، ولكن ما أن أنهتها حتى ألقت بطرحتها، وعادت إلى هاتفها الجوال بسرعة لتكمل ما كانت تتابعه، وهي في طريقها إلى المطبخ.

فكرت لوهلة أن تصلي العصر الآن، فقد سمعت نداءه، ومازالت على وضوء، ولن يأخذ منها أكثر من 5 أو 7 دقائق، ولكنها رفضت الفكرة سريعا لأن "الوقت ما زال في أوله، لا زال هناك متسعا".

ولكن ما حدث مع الظهر هو نفسه ما حدث مع العصر، غير أن أذان المغرب أدركها وهي في التشهد الأخير، ورغم ذلك لم تصلّ المغرب فورا، بل أجلته، وفاتها الوقت تماما هذه المرة، فجمعت المغرب والعشاء بعد منتصف الليل!

بدا بيتها هادئا أخيرا، نام الأطفال، وأغلق زوجها مكتبه لينهي أوراق عمله، وسيطرت على الفوضى في الغرف، وأعدت مطبخها لاستقبال الصباح، وأخيرا حصلت على وقتها الثمين بلا مسؤوليات، وبلا تفكير أمسكت بهاتفها، وخرجت إلى حديقة منزلها الصغيرة بعد أن أعدت مشروبها المفضل من الشيكولاتة والقرفة والفانيليا.

وضعت الهاتف على الطاولة أمامها، ورشفت من المشروب رشفتين وهي تنظر إلى السماء، وتشعر بنسمات الربيع المنعشة على وجهها، تسللت إلى سمعها تلاوة نديّة تأتي من البيت المجاور، يعني هذا أن جيرانها قد أتوا، فهم غير مستقرين في هذا المنزل، يأتون مرة أو مرتين كل شهر، وفور أن يأتوا يشغلون المذياع على إذاعة القرآن الكريم، وكأنهم يطردون عن البيت وعن أنفسهم الوحشة.

{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ...} "إنها خاتمة سورة الحج" قالت لنفسها، ووبابتسامة لا تخلو من أسى تابعت في حديثها مع نفسها:"لازلت تذكرين! رغم أنك لا تفتحين القرآن إلا في رمضان".

وأغمضت عينيها، واستمرت التلاوة، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ1الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}. خفق قلبها سريعا، شعرت كأن الله جل في علاه يخاطبها هي، أتى بها في هذه اللحظات الساكنة، وأتى بجيرانها، لتسمع..

ولأول مرة- رغم أنها كانت تحفظ جُلّ القرآن- تدرك هذه العظمة بين خاتمة سورة الحج بالأمر بالجهاد في الله تعالى حق جهاده، وبداية سورة "المؤمنون" بالخشوع في الصلاة...

وفرّت دمعة من عينها وهي تتذكر..

وتلت الدمعة دمعات ونحيب، فصور الماضي الذي حسبته بعيدا حضرت، واستعادت كيف كان قيامها للصلاة، كيف كانت تقوم عند سماع الأذان مهما كان الحضور، ومهما كان الانشغال..

وتذكرت كم كانت تستعد للصلاة قبلها، وكم كانت تشعر برهبة ومحبة جارفة إذا دخلت أي مسجد.. وكم كان الأذان يثير في نفسها من خشوع وحنين، وكيف كانت صلاتها مناجاة لا تريد إنهاءها.

وتذكرت.. أنها كانت "ترتاح بها" لا "منها"، وأنها كانت في إحساسها كواحة تنقذها من هجير صحراء قاحلة، وتستعين بها على الدنيا وما فيها.

قطع حبل أفكارها صوت طفلها يبكي، فتحت عينيها على واقعها، قامت إلى صغيرها هدأته وأعادته إلى سريره، ولكن المعاذير التي طالما ألهت بها نفسها طوال سنين تلاشت، أدركت أن جهادها في صلاتها، أن تعود للراحة بها لا منها.

بواسطة: مي عباس
19/03/2018   |    928   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

الحُلم يتجسد من جديد الحُلم يتجسد من جديد 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب