` الحُلم يتجسد من جديد

الحُلم يتجسد من جديد

تسللت خيوط الشمس إلى وجهها ففتحت عينيها ببطء، وبدأت تستعيد وعيها تدريجيًا، كان الحلم عميقًا، من هذا النوع الذي يستغرقك تمامًا فلا تعرف أنك تحلم، قامت على مهل تلمس الأرض بخفة وكأنها تتمسك بالحلم الجميل، فتحت ستائرها البيضاء الرقيقة، تطلعت إلى حديقتها الجميلة، تطلعت إلى الأسفل وابتسمت، واستكملت حلمها، صغيرتها الحلوة تقفز فوق العشب وتقلد صوت القطة وهي تبدي دهشتها باحثة عنها: أين أنتِ أيتها الهرة الصغيرة؟، أسمع صوتك ولا أراك، هل تختبئين مني؟

فتضحك صغيرتها، وتكمل اللعبة بسعادة وهي تظن أنها نجحت في تمثيل دور القطة مع أمها، وتستعد لمفاجأتها: إنها أنا!

فتضحك الأم مندهشة: أنت القطة، كيف أتقنت صوتها هكذا؟

ثم تردف: هل أنت جائعة يا قطتي؟، ما رأيك أن نفطر سويًا في الحديقة ثم نبدأ العمل بها؟.

أفاقت من حلمها، وخرجت بتثاقل إلى المطبخ لتعد قهوتها، أمامها يوم حافل، حاولت أن تنسى الحلم، وتشغل عقلها بالمهام المنتظرة، حتى أحست بلمسة حانية على شعرها، وقبلة: صباح الخير يا أمي.

صباح الخير يا حبيبتي، ما الذي أيقظك مبكرا هكذا؟.

لم أستطع النوم طويلًا.

حاولي أن تنامي ولو ساعتين قبل الذهاب إلى الصالون.

سأحاول.

ساد الصمت، فقطعته الأم مازحة: لي يومان أفكر هل علي أن أخبرك بوصية الأعرابية لابنتها في يوم زفافها، أم تُراكِ تعرفينها؟.

ابتسمت الفتاة قائلة: أعرفها جيدًا، وأعدك أنني سأحاول ألا أنغص نومه، ولا أفرح أمامه وهو حزين.

ضحكت الأم وتابعت: حسنًا طمأنتني، ربما علي أن أعيد صياغة الوصية، فأوصيكِ يا ابنتي ألا تستغرقي في هاتفك وهو يُحدثك، ولا تفشي مشاكلك على السوشيال ميديا.

تبادلتا الضحكات، وقالت الابنة: هذا الإصدار الأخير من الوصية يبدو أكثر تشويقًا.

مضى اليوم بسلام، كان حفلًا جميلًا مفعمًا بالمحبة، وعندما أوصلت طفلتها الكبيرة إلى بيتها الجديد شعرت بفيض من الدموع يخترق قلبها، ولكنها برباطة جأشها المعهودة منعته من الوصول إلى عينيها، قبلتها وتمنت لها السعادة، وأوصت زوجها بها، ثم غادرت مسرعة.

تملكها شعور غريب وهي تدخل إلى البيت، بدا لها غريبًا جدًا بدون ابنتها، لم تستطع المرور بقرب غرفتها، وخافت أكثر من الدخول إلى النوم رغم تعبها الشديد، وكأن كل المشاعر والأفكار المخبأة تنتظرها هناك.

دخلت إلى غرفة مكتبها، قررت أن تنجز بعض المهام الروتينية المؤجلة، حاولت أن تنهمك بعيدً عن نفسها، حتى فوجئت بالبكاء يتفجر من قلبها، بكت طفل صغير، لا تدري كم من الوقت بكت، ولكنها بكت كثيرًا، بكت حبًا واشتياقًا، بكت خوفًا ووحدة، بكت عُمرًا رغم ما فيه من صعاب بدا لها الآن حُلمًا جميلًا بعيدًا.

وانتشلها من بكائها جرس الباب، تساءلت بقلق: من سيأتيني الآن.

هرولت لتفتح فإذا بمندوب يحمل باقة ورد رائعة: تفضلي.. عُذرًا على الإزعاج، ولكن ابنتك طلبت أن نوصله لك في هذه الساعة.

شكرته، وأمسكت الباقة بيديها كانت تضم ورودها المفضلة: الزنبق والقرنفل والبنفسج.

شعرت وكأن صغيرتها تحتضنها، وتربت على قلبها، وابتسمت وهي تدرك كم أن قطتها الصغيرة أصبحت شابة ذكية ومراعية، لقد أرادت أن تأتيني زهورها ورسالتها وأنا أبكي.. علمت يقينًا أنني سأفعل.

فتحت الرسالة المرفقة مع الباقة:

شكرًا على كل زهرة غرستها في قلبي يا أجمل زهرة في العالم.

سأحمل في قلبي دومًا زهراتنا الجميلة، وعُمرًا عشناه سويّا معًا بأفراحه ومصاعبه.

ومن يدري.. ربما أحمل إلى حديقتك السعيدة قططًا صغيرة جميلة عن قريب.

على كل حال.. نامي جيدًا، لأنني سأتناول الغداء معك غدًا، وسأصدعك كالمعتاد بحكاياتي.

أحبك.

ضمت الرسالة إلى قلبها، وخرجت إلى حديقتها، أضاءت أنوارها، وابتسمت بفرح عندما تخيلت الحُلم يتجسد من جديد.

بواسطة: مي عباس
16/04/2018   |    149   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

خمس خطوات عملية للاستعداد لرمضان زوجي العزيز.. عفوًا لقد نفذ رصيدكم! 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب