` دمية أمي

دمية أمي

تسللت يدي بصعوبة تتلمس قدماي واحدة ثم الأخرى وأخذت أحركهما بهدوء، وقد تعلقت عيناي من خلال نافذة السيارة على امرأة قعيدة جالسة على كرسي متحرك تبيع بعض الأشياء للمارة، وبجانبها ابنها الذي لم يتجاوز التاسعة من عمره، يقرأ في كتابه ويحل واجباته، وهي تستمع له وتصحح له بعض الأشياء، وفي عينيها همة وعزيمة، سالت الدموع من عيناي وارتسمت تلك الصورة في وجداني، لم أنم تلك الليلة وكأن ماردًا بداخلي قرر أن يفيق، وأخذت الأفكار تعصف بي متأملة لتلك الحالة التي أنا عليها، وإذا بشريط حياتي يمر أمام عيني.

 رزقت أمي بي على كبر سن، وبعد شوق طويل، وما إن جئتُ إلى الحياة حتى فارقها أبي، وساعدت أمي فرحتها بي على تجاوز محنة فراق شريك عمرها، فكان كل همها تدليلي، تقضي الساعات في تجهيز ملابسي، وتصفيف شعري، واللعب بي، تكاد لا تفارقني في كل أحوالي، تخشى علي من كل شيء، لا أقوم بعمل شيء لنفسي، فهي تطعمني بيدها وتأتيني حتى بكوب الماء لأشربه، وتذهب بي إلى المدرسة، وتنتظر خروجي، بالكاد تسمح لي بأداء واجباتي مع مساعدتي فيها بكل ما تستطيع.

لم يكن مسموحًا لي أن أختلط بالأطفال، فيما عدا صديقة واحدة هي ابنة جيراننا الذين تثق أمي بهم، وكان لعبنا أيضا في منزلنا تحت مراقبة أمي خوفًا من وقوع أي أذى، وكان يسعدها كثيرًا أن يصفني الآخرون بأنني دميتها المدللة.

كنت سعيدة بهذا الدلال، ومضت السنوات وأنا في راحة وتنعم بالطفولة البريئة ولا أبالي بشيء، وحتى تكتمل سعادتها بدميتها سارعت بتزويجي على صغر سني، وأصرت أن نعيش معها، وكانت تلك أمنيتي فهي تتولى عني القيام بمسؤوليات واحتياجات البيت، وأنا أرتع في طفولتي وهي تقوم بتجهيزي وتزييني لتراني كل يوم عروسة، وأنجبت طفلتي وواصلت هي القيام بكل المهام، ولم يكن لدي فرصة لأترك طفولتي وأرعى طفلتي.

سرعان ما مل زوجي مني ومن تلك الحياة وغادرنا وحمل طفلتنا معه تاركا لي رسالة: "عندما تصبحين قادرة على القيام بمسؤوليتك تجاهها ستعود لك".

ولم نعد نعلم عنهما شيئا، كاد الحزن أن يقتلني، ولم أعد أرَ في الحياة أي أمل، وأصبحت طريحة الفراش خاصة بعد أن فاضت روح أمي، شعرت بعجزي حتى عن التقاط أنفاسي، وفي تلك الظلمات عادت صديقة طفولتي التي حققت تفوقا في مجال الطب النفسي تتردد على زيارتي وقد عقدت العزم أن تساعدني على الإفاقة من تلك الإعاقة النفسية التي كادت أن تحطمني، وتحليت معها بالصبر وبذل الجهد، وتمسكت بصورة السيدة القعيدة التي تتحدى الإعاقة بعزيمتها، فأصبحت أجيد الكثير من المهام، وشيئا فشيئا ارتفعت همتي، كانت صديقتي تصحبني لمراكز رعاية المعوقات جسديا وتشجعني على أداء خدمات لهن لتؤكد لي سلامة جسدي وقدرتي على أن أكون فعالة لمن حولي وغرس الأمل في القلوب، وتعلمت منها التوكل على الله واكتساب الثقة بالنفس، وانفرج همي وأعاد الله لي زوجي وابنتي، وهمست صديقتي في أذني: "حبنا الصادق لأولادنا هو أن نمنحهم الحرية والثقة ونعدهم للانطلاق في الحياة".

بواسطة: أم الفضل
29/04/2018   |    62   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

خمس خطوات عملية للاستعداد لرمضان زوجي العزيز.. عفوًا لقد نفذ رصيدكم! 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب