` قطايف من ذكريات جدتي الرمضانية


قطايف من ذكريات جدتي الرمضانية

كنا نذهب للإفطار مع جدتي، ونتلهف للالتفاف حولها، وما أن تنتهي من صلاة التراويح وتتخذ مقعدها بجوار شرفة حجرتها حتى تتعلق أبصارنا وقلوبنا بها، وكلنا شوق لسماع حديثها، وقصصها عن ذكرياتها، وكيف كان رمضان زمان.

كنت أتابع نظرات عينيها وهي تسبح بعيدا مع الذكريات، وأترك خيالي يسبح معها وكأنني طفلة بجانبها وقد حملنا مع أطفال الحي الفوانيس البسيطة الجميلة التي بداخل كل منها شمعة، ونردد سويًا:" أهلا رمضان وحالو يا حالو"، ونطوف على بيوت الجيران فيعطونا الحلوى تهنئة بقدوم شهر الخيرات.

قالت وابتسامة ترتسم على وجهها تحمل شجن وحنين: كان مطبخنا كخلية نحل لإعداد الإفطار، فنحن نقيم في عائلة كبيرة وأمي تُحمّلنا نحن الأطفال ما لذ وطاب لنسارع به إلى الجيران، فنرى ابتساماتهم، ونسمع الدعوات، وسرعان ما يردون لنا هذه الأطباق محملة بالطعام اللذيذ.

ولمعت عيناها وهي تتذكر قائلة: كنا ننتظر بشوق سماع  (مدفع الإفطار اضرب) ثم سماع صوت الأذان فنتناول الماء والتمر ونردد ما حفظناه من دعاء، فإذا ما انقضت صلاة المغرب، وعاد الرجال من المسجد، اجتمعت العائلة جميعا في أجمل لحظةمع أحلى أصناف الطعام والشراب.

وتابعت: كانت أمي تشجعنا وتلهينا أثناء نهار رمضان لنصوم بعض الساعات، وتكلفنا ببعض الأعمال اليسيرة وتعلمنا احتساب الصالحات، وتلقيت درسا هاما في حياتي حين اختبأت عن الأنظار وتناولت بعض من الطعام، ورآني أخي وأذاع بأنني لست صائمة وأصررت على العكس، فعلمني أبي أن المسلم لا يكون كذابًا، وأن الصوم عبادة الصدق والإخلاص لله.

وضحكت جدتي وهي تتذكر المسحراتي، تلك الشخصية التي غدت أسطورية لذلك الرجل البسيط وقد ارتدى جلبابه ويطوف شوارع الحي وبيده طبلة يدق عليها مرددا: "اصحى يانايم وحد الديان.. السحور يامسلمين"، كان يستحوذ على قلوبنا نسارع إليه ليدق على طبلته وينادي على أسمائنا ونعد ذلك شرفا رائعا.

وأردفت قائلة: لقد اختفى المسحراتي، وإن وجد فقد انطفىء ما كنا نحس به من حماس وتواصل.  

استمر شريط الذكريات يجري أمام عينيها، وواصلت حديثها: أشعر وكأن أبنائي أطفالًا أمامي والفرح والسرور يملأ القلوب حين يهل عليهم هذا الضيف العزيز شهر الرحمات، ومعهم فوانيس تضاء بأحدث التطورات،  ويقبلون على حلقات القرآن في المسجد ويجاهدون أنفسهم في الصيام، وكنت مع والدهم نعد لهم المسابقات الدينية التي تمدهم بالمعلومات وتحيي ذكر السلف مع رمضان، وتُعلي الهمم والفخر بالرسول الكريم وكيف كانت غزواته والانتصارات.

تسللت دمعة من عينيها حين تذكرت وفاة جدي العام الماضي في رمضان، وأخذت تلهج بالدعاء وطلب المغفرة والرحمة، وتردد: "ما أجمل نسماتك المباركة ياشهر القرآن، تأتي وترحل سريعا تاركا لنا ذكريات لا تنسى"، وأقبل خالي يقبل جبينها ويمسح دمعتها يبشرها بالاستعداد للسفر لقضاء عمرة في رمضان، ونسج الجديد الجميل من الذكريات في التقرب إلى الحي الذي لا يموت.

بواسطة: تهاني الشروني
21/05/2018   |    346   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

الحُلم يتجسد من جديد الحُلم يتجسد من جديد 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب