` فاطمة السمرقندي.. الفقيهة العالمة مستشارة الملوك


فاطمة السمرقندي.. الفقيهة العالمة مستشارة الملوك

ولدت فاطمة السمرقندي في تركستان في مدينة كاسان، وفتحت عينيها على الدنيا لترى من حولها كتب الفقه والأصول والحديث والتفسير تملأ أطراف بيت أبيها محمد بن أحمد السمرقندي العالم الوقور صاحب الصيت الطيب والمسلك الطاهر،   وكان من كبار فقهاء عصره، وصاحب كتابَيْ "اللُّباب" و"تُحفة الفقهاء" الذي يُعد عمود الفقه الحنفي..

تُوقّع الفتوى مع أبيها

تعلمت فاطمة الفقه على يد أبيها، وحفظت تحفته، فتفقهت حتى كان والدها لا تأتيه الفتوى إلا وعرضها على ابنته وسمع رأيها بها فكانت الفتوى تخرج وفيها توقيعان توقيعه وتوقيع ابنته، ولم تكن فاطمة ذات النفس المتطلعة إلى العلم لتكتفي بعلوم والدها الجليل، بل قصدت جماعة من الفقهاء والعلماء، فانتفعت بهم، وأفادت منهم، حتى تضلعت بالعلوم الشرعية وأشير إليها بالبنان، وأصبحت فاطمة بنت السمرقندي أشهر فتاة في كاسان علماً وفهمًا وذكاء.

مهرها كتاب

خطبها من أبيها الكثير من ملوك الروم والعرب من المسلمين إلا أن والدها لم يجب أحدا لهذا، وزوَّجها تلميذه النجيب علاء الدين الكاساني، بعد أن شرح التلميذ كتاب شيخه «تخفة الفقهاء» في كتابه «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» وكان مهرها هو الكتاب، حتى قال الفقهاء: شرح تحفته وزوجه ابنته.

لم تتوقف فاطمة عن تعلم وتعليم العلم الشرعي بعد زواجها، بل كانت تنظم الحلقات، وطلب العلم على يديها الكثير، كما استمرت رقاع الفتوى تخرج من بيت أبيها السمرقندي بتوقيعه، وتوقيع ابنته فاطمة، وانضم إلى توقيعهما توقيع ثالث جديد هو توقيع زوجها الكاساني.

ويقول المؤرخ ابن العديم: إن فاطمة كانت تنقل المذاهب نقلًا جيدًا، وإن زوجها ربما يَهِمُ في الفُتيا فتردّه إلى الصواب، وتعرّفه وجه الخطأ فيرجع إلى قولها، وأنها كانت تُفتي زوجها فيحترمها ويُكْرِمها. وقد نظمت أوقاتها بين العبادة والمطالعة والحفظ والتدريس والتأليف حتى استطاعت أن تحصّل العلم الكثير الذي جعلها في مصافِّ كبار العلماء المتصدرين للفُتيا والتدريس.

مستشارة الملوك

تنقلت فاطمة مع زوجها في كثير من البلاد حتى استقرا بجوار الملك الأيوبي نور الدين محمود الذي أكرمهما، وكان كثيرا ما يستشيرها في أموره الخاصة، كما كان يسشيرها أيضا سلطان حلب محمود الدين زنكي الذي كان يعرف قَدْر فاطمة ومكانتها فكان يستفتيها في بعض المسائل، ويستشيرها في بعض أمور دولته الداخلية؛ ويُنعم عليها ببعض العطايا لمعرفته بعلمها ورجاحة عقلها وجُودة رأيها، وحين علم بعزمها على عودتها إلى بلدها استأذن زوجها ببقائها، ويذكر ابن العديم أنها كانت في أول قدومهما إلى حلب تحثّ زوجها على مغادرتها والعودة إلى بلادها، فلما علم الملك العادل نور الدين برغبة الشيخ في المغادرة استدعاه وسأله عن جلية الأمر، وأبدى له رغبته ورغبة العلماء أن يقيم بحلب، فعرّفه السبب وأنه لا يحب أن يُخالف زوجته ابنة شيخه، فأرسل الملك رسالة إليها مع امرأة يرجوها البقاء بحلب فأجابته إلى ذلك، وأقامت في حلب إلى أن ماتت سنة 581 هـ، ودفنت بمسجد إبراهيم الخليل بحلب، وكان زوجها لا ينقطع عن زيارتها كل ليلة جمعة إلى أن مات هو الآخر بعدها بست سنين، وأوصى أن يدفن بجوارها بالمسجد.

قال العلاّمة الحافظ عبدالقادر القُرَشي في كتابه «الجواهر المضيئة»: قال داود بن علي وهو أحد فقهاء الحلاوية: هي التي ــ يقصد فاطمة ــ سَنّت الفِطر في رمضان للفقهاء بالحلاوية - وهي مدرسة من المدارس الشرعية الكثيرة في حلب، وكان لفاطمة بنت السمرقندي بها صلة، وكان في يديها سواران أخرجتهما وباعتهما، وعملت بالثمن الفطور كل ليلة، واستمرت هذه العادة.

مؤلفات عديدة

وذكر محمد رضا كحالة صاحب كتاب «أعلام النساء»، وزينب فواز صاحبة كتاب «الدُّر المنثور في طبقات ربات الخدور» أن فاطمة ألّفت المؤلَّفات العديدة في الفقه، مثل «مجمع الفوائد لِجَمّ العوائد شرح تحفة الملوك» في الحديث، وانتشرت مؤلفاتها بين العلماء الأفاضل.

بواسطة: هناء المداح
24/06/2018   |    70   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

البطلة زوجي العزيز.. عفوًا لقد نفذ رصيدكم! 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب