` رائحة الجنة في بيتي


رائحة الجنة في بيتي

امتدت يد ابنتي تمسح دموعي التي انسالت على وجه أمي وقد لفظت أنفسها الأخيرة وأنا أضمها إلى صدري،  كان آخر ما فعلته قبل أن تفارق أن نظرت إلي بنظراتها التي طالما أحببتها، وتبسمت بصعوبة وهي تدعو بصوت متقطع: "رضيت عنك يا بني فليرضى الله عنك"، ثم كانت آخر كلماتها شهادة ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله.

شعرت أني فارقت نفسي بفراقها للحياة، وغلبني حزن شديد، وجفا النوم عيناي، حتى غشيني النعاس فرأيت سعادتها حين قررت أنا وزوجتى أمل – وهي ابنة خالتي التي أحبتها أمي كثيراـ نصر على أن تعيش معنا، وقلنا لها بحزم واستجداء: "لن نتركك يا أمي تعيشين وحدك، نريدك معنا"، ولم يعترض أحد من إخوتي محمود وعمر وهند،  بل شعر الجميع بالطمأنينة على الوالدة، وغدا كل منهم إلى حياته الأسرية مع إصرارها على الجميع أن يأتوا إليها متى شاءوا وكيف شاءوا، وهي تنظر إلي والابتسامة تملأ وجهها.

ومضت الأيام جميلة، وأفاض وجود أمي بيننا على البيت راحة وسكينة،  وها هي هند وأطفالها يأتون إلينا كلما سنحت لهم الفرصة فيغرد قلب أمي وتساعدها أمل في الترحاب بهم وتقديم أحلى وأشهى الأشياء،ويمضي اليوم على أمي وهي تودعهم بأطيب الأمنيات، وتذهب إلى فراشها بعد أن تصلي شاكرة لله لاهجة بالدعاء.

وعمر أخي الأكبر  يأتي غالبا بمفرده يوم أجازته  بين الحين والحين؛ فزوجته تعمل موظفة وتفضل قضاء أجازتها عند والدتها أو الخروج للنزهات، وإذا صادف أن جاءت عندنا مع زوجها ساعة من نهار تغمرهم أمي بالوابل الطيب من الشكر والامتنان.

أما محمود فعمله يتطلب الكثير من السفر والتنقل في أنحاء الوطن، فتلح أمي على زوجته وأطفاله أن يأتوا عندنا باستمرار، وعند عودتهم تحملهم أمي بما تطيب نفسها مما رزقنا الله من خيرات، وكم أعلنت لها غضبي متبسما عندما لمحت لي بالاستئذان لتفعل ذلك، وقبلتها قائلا: "يا أمي أنا وكل ما أملك لك؛ فافعلي ما يدخل السرور على قلبك دون حتى أن تعلميني".

أفقت من غفوتي متنهدًا، وعلى صوت نشيج بكائي استيقظت أمل وربتت على يدي، وأنا أردد:" كيف سولت لي نفسي وغلبتني مشاعر الغيرة وأنا أراها تستقبل وتودع أخوتي وأطفالهم دائما بكل هذا الحب والترحاب، ونحن الذين نتقاسم معها ألمها ومرضها ونسعى جاهدين حتى تكون راضية دائما".

غلبني ضعفي وألقى الشيطان في قلبي لأنال وزوجتي وأبنائي من تلك الفرحة واللهفة التي تتعامل بها معهم فزين لي سوء عملي.

قررت مع أخوتي أن نتقاسم وجود أمي عند كل واحد منا، ولم أستمع لقول زوجتي بألا نفرط فيها، وأن ترحابها بهم نابع من سعادتنا بها وسعادتها عندنا وشعورها بأنها في مستقرها الآمن.

فكان أن تنقلت بيننا..

وعند هند وجدناها قابعة في فراشها تصمت في وجود زوجها وتعمل لصرامته ألف حساب.

وفرحت بها زوجة محمود، فرح يشوبه الاستغلال وعدم التقدير، فكانت تترك لها الأطفال دون مراعاة لظروف تلك الأم كبيرة السن وتخرج هي كما تشاء.

وذهبت عند عمر في بيت له قوانينه الخاصة من النوم والاستيقاظ والكلام، وتناول الوجبات فنظرت إلي على استحياء.

ثم استدركت أمري، وبكيت عند قدميها لتغفر لي خطيئتي، وطوقتها بذراعي واصطحبتها مع زوجتي لبيتي راجيا منها العفو والسماح، وهمست لها: "ليكن نصيبهم عبارات الترحاب وكرم الضيافة، ونفوز نحن بأن تكوني بيننا يامفتاح جنة الرحمن".                  

بواسطة: تهاني الشروني
26/06/2018   |    361   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

الحُلم يتجسد من جديد الحُلم يتجسد من جديد 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب