` الحُلم الذي قتل أبي وأختي


الحُلم الذي قتل أبي وأختي

كنت الأخت الكبرى لصبي يصغرني بعامين، وطفلة بريئة لم تتجاوز سنواتها الأربع، تلك أسرتي التي ظللها أب يفيض حنانًا، وأم تلهث وراء طموحاتها.

كنت في العاشرة من عمري عندما وعيت الأزمة بين والديّ، فالمال قليل في اليدين، والأب مطحون في مشقة العمل البسيط طوال اليوم محاولا سد الاحتياجات، ولكن هيهات.. فالرغبات والعوز لا ينتهيان.

كان أبي يحبها، ويطمع في إرضائها، ويردد  دائما أن الله #يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وأن الرزق الحلال يحمل البركات، ولكنها كانت تشتعل غضبًا وتنعته بالضعف والذلة، وتبكي حظًا أورثها فقرا بعد فقر، وكنّا أحيانا نبكي معها، وكثيرا ما نفرح حين يضمنا أبي إلى صدره، ويقدم لكلٍ منا قطعة حلوى بسيطة.

وفي إحدى الليالي سقط بين يديها عقب مشاجرة بينهما بسكتة قلبية، ووافته المنية.

مرت السنوات بمعاش قليلٍ اضطرها للخروج للعمل في تنظيف بيوت الأثرياء، واستمرت لا تكف عن التطلع لما عندهم، تمد عينيها لما يتمتعون به، وتندب حظها حينًا، وتكتم في قلبها حينًا.

ولم يفارقني شعوري بأنها كانت سببا في تعذيب أبي، ومنذ لحظة وفاته شعرت أنها قتلت بداخلي كل معاني الأمومة، وأصبحت يتيمة الأبوين، وساد الجفاء بيني وبينها.

وللمساعدة في المعيشة، كنت بجانب مواصلتي لدراستي أقوم بأعطاء دروس للأطفال الصغار في الحي الذي نقيم فيه مقابل القليل من المال، والتحق أخي للعمل في إحدى المحال، وظل حلم أمي وسعيها في البحث عن طريق الثراء، واعتبرت جمال أختي البارع الذي تحلت به هو مفتاح ذلك الطريق؛ فكان جل همها تزويجها لأحد الأثرياء دون اعتبار لأي شيء، وأخذت تبث ذلك الحلم في عقلها وتمنعها من بذل أي جهد في مذاكرة دروسها، أوممارسة الأعمال المنزلية حتى لا يمس الجمال خدش، ولا ينمو عقل يفتح عينيها على حقائق الحياة.

أصبحت أختي من صغرها كالدمية التي لا تملك من أمر نفسها شيئا، تحركها أمي تحت ذريعة فرارنا من الفقر.

أنهيت دراستي، وتقدم ابن عمي للزواج مني، ولم تبالِ أمي بشيء إلا الخلاص مني، صارخة في وجهي: " كم يليق الفقر بكما".

ورحل أخي بعيدا عندما أدرك عجزه عن ملاحقة حلم أمه، وشعر بتجاهلها له.

وتنهدت أمي بارتياح وفرحة غامرة حين أصابت هدفها، وزوجت الصغيرة من ذلك الثري العجوز الذي يقارب عمره عمر جدّها، ولم تبالِ لماذا لم يتزوج في كل عمره الذي مضى، ولم تنصت لمن حاول نصحها.

ولم يمضِ إلا القليل، وإذا بالعروس الصغيرة تهرب فزعة من قسوة العجوز البخيل، ولا تكاد تدرك طريقها، وألقت بنفسها لتفيض روحها في حادث تصادم مروري مروع.

كادت أمي أن تتحطم، وضاقت عليها الدنيا بوسعها، وأخذتها لتعيش معي ومع أحفادها، ونظرت إليها وضممتها إلى صدري وفاضت دموعي، وهمست بداخلي: ليتك يا أمي لم تفقدي بصرك لتري ما كنت تحلمين به؛ فقد منَّ الله علي بسعة الرزق، ومحبة الزوج، وأولاد يحيطون بك ويسعدون بوجودك.                 

بواسطة: تهاني الشروني
22/07/2018   |    433   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

الحُلم يتجسد من جديد الحُلم يتجسد من جديد 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب