كيف تتعلق قلوب أطفالنا بالمساجد؟

كيف نضبط سلوك أطفالنا في المساجد، هل نمنعهم عنها بحيث لا يدخلونها إلا وهم كبار، أم يمكننا التصرف بحسب الطفل إن كان صالحاً هادئاً مؤدبا فيدخل ليتعلم الصلاة والعبادة كما يراها من الناس، أو يكون الطفل مؤذياً صاخباً يؤذي المصلين ويشوش عليهم صلاتهم فيمنع من ذلك؟

نستطلع في هذا الملف آراء عدد من الضيوف المعنيين بالتربية والدعوة ومن متابعي مواقع شبكة "رسالة الإسلام"؛ لنرى كيفية النهوض بدور المسجد لإعداد النشء وشباب المستقبل، ومحاولةً لرصد الفروق بين الواقع المُعاش، وبين ما أمر به الدين الحنيف من عناية بالأطفال، وتوجيه للآباء والأولياء ليأمروا أطفالهم بالصلاة وهم أبناء سبع.

نبدأ مع الشاعر المصري عبدالحميد ضحا الذي قال: للأسف هناك عدد كبير من المصلِّين يتشدَّدون جدًّا مع الأطفال في المساجد، المشاغب وغيره، مجرَّد رؤية طفل - خاصة لو تقدَّم في الصفوف الأولى - تثور غلظة غير مبرَّرة، وكثيرٌ من أصدقاء طفولتي ظلُّوا سنوات طويلة لا يدخلون المسجد بسبب موقف كرَّهه في دخول المسجد من القسوة؛ كضربٍ أو إهانة أو سبٍّ أو غيره، وإن المرء ليحزن من هذه الغلظة مع طفل يحتاج إلى الرفق والحب والمعاملة الحسنة من أهل المسجد؛ حتى ينشأ وقلبه معلَّق بالمساجد، لا أن يصير المسجد في قلبه وذاكرته مكانَ خوف وذكرى بغيضة.

وتساءل ضحا في حديثه إلى "رسالة المرأة": من يستطيع تحمل وزر شاب لا يدخل المسجد على الإطلاق، تأثرًا بموقف حدث معه في طفولته، وتعرض فيه للعنف والإهانة؟

وأضاف: ومن عجبٍ أن من يتشدَّدون مع الأطفال دائمًا ما يذكرون حديثًا ضعيفًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: (جنِّبوا مساجدَكم صِبْيَانَكم ومجانينَكم)، ولا ينظرون إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الأطفال في المساجد؛ كحمله حَسَنًا أو حُسَيْنًا في الصلاة وعندما سجد صعِد على ظهره فأطال النبي صلى الله عليه وسلم السجود حتى ظن الصحابة أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليه، فقال: (كل ذلك لم يكن؛ ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته)، وكنزوله صلى الله عليه وسلم من على المنبر ليأخذ الحسن والحسين عندما رآهما يعثران ويقومان فأخذهما فصعد بهما المنبر ثم أخذ في الخطبة، وكحمله أمامة بنت العاص - ابنة زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم - على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها، وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوَّز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمِّه من بكائه)، وغير ذلك من الأحاديث.

الدكتور عمرو عبدالعزيز الباحث بكلية الشريعة جامعة الأزهر عرض بعض أسباب انتشار الشغب والتشويش من الأطفال في المساجد فقال في حديثه إلى "رسالة المرأة":

قد يكون السبب الأول عدم مراعاة السن المناسب لإحضارهم المسجد

فأحكام الشريعة تفرق في أطوار نمو الإنسان ونضجه بين ما قبل سن التمييز وما بعده، ومن ثم فالأطفال قسمان:

-        قسم لا يعبث بأثاث المسجد ومحتوياته، أو يعبث ولكنه إذا نهي كف عن ذلك، وهذا لا حرج في حضوره للمسجد، والأفضل أن يكون بجوار أبيه أو أحد أقاربه الكبار.[1]

-        وقسم يعبث بالمسجد ومحتوياته ويكون سبباً في التشويش على المصلين وإذا نهي لا يكف، فهذا لا يجوز الإتيان به إلى المسجد، وإن أتى إليه أخرج منه، لما يترتب على وجوده من هذه المفاسد.

وذلك أن من طبيعة الأطفال كثرة اللعب والحركة، والتقلب والاضطراب، مما يشوش على المصلّين والقراء، وأهل الذكر والعلم، ولا يستطع وليه التحكم في تسكينه غالبًا، فهو في الصلاة يكثر الالتفات والتقدم والتأخر، ومد اليدين، وحركة القدمين، وذلك مما يشغل من يصلي إلى جانبه، ويلهيه عن الإقبال على صلاته، مما يذهب الخشوع، وينقص الأجر، ثم إن الأطفال الذين دون سن التمييز لا يؤمن تلويثهم للمسجد، فقد يحصل منهم التبول ونحوه، والروائح المستكرهة، واللعاب والبصاق ونحو ذلك، لعدم فهمهم بحرمة المكان، وصعوبة تأديبهم، والتحكم فيهم، فلذلك يتأكد على أوليائهم منعهم من دخول المساجد إلا بعد التأكد من فهمهم، وتعلمهم احترام المسجد، وتربيتهم على النظافة والأدب، وحفظهم عن كثرة الحركة، وما يسبب ضررًا أو تشويشًا للمنظر الظاهر في بيوت الله التي أذن أن ترفع.

ولعل هذا القسم هو المقصود بالحديث الذي أخرجه ابن ماجه عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ}. [2]

وأضاف عبدالعزيز في حواره مع "رسالة المرأة"أن السبب الثاني هو قلة الوعي بإدارتهم وحسن سياستهم:

فإذا كان الأطفال مع الرجال في المسجد فينبغي أن يجنب الأولاد وسط الصف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ ".[3]

ومع ذلك فقد صرح كثير من العلماء أن لا يؤخروا عن مكانهم الذي سبقوا إليه طالما أنهم يميزون الصلاة ويحافظون على صلاة غيرهم؛ يقول ابن حجر الهيتمي في الفتاوى: "الصبيان متى سبقوا البالغين إلى الصف الأول لم يجز لهم إخراجهم" وكذا اختاره المجد ابن تيمية، قال المرداوي: وهو الصواب.

بل تركهم في أماكنهم وعدم إزاحتهم وتأخيرهم يساعدهم على الالتزام بأحكام الصلاة حيث يحيط بهم الكبار، ويعينهم على المحافظة على أدائها، ويعودهم الهدوء والسكينة، يقول العثيمين رحمه الله في "الشرح الممتع": "إن الصبيان إذا تقدموا إلى مكان فهم أحق به من غيرهم، لعموم الأدلة على أن من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به، والمساجد بيوت الله فيستوي فيها عباد الله، فإذا تقدم الصبي غلى الصف الأول –مثلا- وجلس فليكن في مكانه، ولأننا لو قلنا بإزاحة الصبيان عن المكان الفاضل، وجعلناهم في مكان واحد لأدى ذلك إلى لعبهم؛ لأنهم ينفردون بالصف".

أما السبب الثالث –كما يرى الباحث بجامعة الأزهر- فهو النقص المعرفي وعدم العناية بالتعليم والتربية والتدريب

فيمكن اصطحاب الطفل المميز للمسجد قبل السابعة إذا كان هادئاً لا يزعج المصلين، واستطعنا أن نعظم في نفسه حرمة المسجد وأهمية الهدوء وترك الحركة في الصلاة، مع العناية بتعليمهم آداب المسجد والصبر عليهم في ذلك حتى ينشؤوا على حب بيوت الله عز وجل، ولنحذر مما يصنعه بعض الناس من نهرهم وطردهم حتى يصير المسجد بغيضاً إلى نفوسهم.     وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف من صلاته إذا سمع بكاء الأطفال. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِيهَا مَخَافَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

والنصيحة التي قدمها الباحث بجامعة الأزهر لأهل المسجد عموماً أن يتحملوا الأطفال الصغار ، وليتعاون الجميع على تعليمهم آداب المسجد .

مضيفا أنه ينبغي أن يُعلم أن مجرد حصول صوت أو حركة من الصبي الصغير في المسجد ليس مسوغاً لمنعه من المسجد ، فقد كان الأطفال يفعلون ذلك في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويقرهم ، ويخفف الصلاة رحمةً بهم ، وبأمهاتهم ، ولكن من علم منه زيادة أذية للمصلين ، فهذا هو الذي ينبغي ألا يصحب إلى المسجد حتى يتأدب بآدابه .

 

[1] جاء في "المدونة": "وسئل مالك عن الصبيان يؤتى بهم إلى المساجد ؟ فقال : إن كان لا يعبث لصغره ويكف إذا نُهي فلا أرى بهذا بأسا , قال : وإن كان يعبث لصغره فلا أرى أن يؤتى به إلى المسجد".

وجاء في كتاب المجموع في المذهب الشافعي: " قال الشافعي والأصحاب ويؤمر الصبى بحضور المساجد وجماعات الصلاة ليعتادها".

[2] في إسناده الحارث بن شهاب وهو ضعيف، ولكن معناه صحيح ففي كتاب مواهب الجليل في الفقه المالكي قال الحطاب: ( وَإِحْضَارُ صَبِيٍّ بِهِ لَا يَعْبَثُ وَيَكُفُّ إذَا نُهِيَ ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ إذَا كَانَ يَعْبَثُ وَلَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ فَلَا يَجُوزُ إحْضَارُهُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ { جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ مَجَانِينَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ } فَالشَّرْطُ فِي جَوَازِ إحْضَارِهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ : إمَّا عَدَمُ عَبَثِهِ أَوْ كَوْنُهُ يَكُفُّ إذَا نُهِيَ عَنْ الْعَبَثِ.

[3] رواه مسلم من حديث أبي مسعود البدري الأنصاري رضي الله عنه.

بواسطة: نجاح شوشة
01/12/2016   |    315   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

أسئلة أطفالك عن العلاقة الحميمة افتتان الزوج على الإنترنت.. ماذا بعد؟!