إحسان

اعتادت رحمها الله كلما رأتني أن تدعو لي بأن يرزقني الله صبيا، لم أستشعر ذلك يومًا ضغطا أو مضايقة، فهي لم تكن حماة عادية، بل كانت كزائر خفيف على الدنيا، عاكف على الذكر، نسي حظه لأجل حظوظ أحبابه.

كلما رأت بنياتي أشرق وجهها فرحًا، وأقبلت عليهن بشرا ودعاءًا وملاطفة، ولكنها لم تنس يوما أن تدعو لي "ربنا يعطيكِ الأخ لبناتك".. فأبتسم وأؤمن على دعائها أحيانا.

أما بناتها هي فكنّ نعم العون والسند، لها ولأبيهن من قبل، ولإخوتهن الرجال أيضًا.. وكانت تجد معهن الأنس والتفهم، والرعاية المحبة، فشتان بين من يرعاك كجزء من مسؤولياته وأحماله، وبين من يرعاك حبا وعرفانا، ويضع نصب عينيه قوله تعالى: {وبالوالدين إحسانا}. الإسراء: 23.

وفي بيوت بناتها كانت تجد الاحترام والتقدير، تضحك من قلبها، ويشاركها الجميع تفاصيل حياتهم، ويبعثون فيها الأمل والهمة، ويشغلونها بتلاوة القرآن والذكر، فتقر عينها وسط أحفادها، ويغيب عنها شبح الوحدة.

وعندما حلّ بها مرض الموت، تصدرت البنات واجهة الإحسان، فالكبرى لا تفارقها ليل نهار، وترعاها كما ترعى الأم وليدها الذي لا يملك من أمر نفسه شيئا، رغم أن هذه الابنة نفسها جدة مثقلة بالأعباء والمتاعب، لكن - وبمؤازرة زوج كريم- كانت لا تقدم على أمها أحدًا.

وفي بيت ابنتها الوسطى طالما عرفت طعم البهجة، وامتلئت أركان قلبها بالحياة، كانت تقضي شهورًا عندها معززة مكرمة، وعندما تعود لبيتها، فلا تكاد تغيب عنها، وتتبع راحتها ومطالبها.. وفي مرضها لم تكد تفارقها، وتدير الأمور بحكمة وصلابة.

أما الصغرى ورغم بعد المسافة فكانت حريصة على السفر إليها، ورعايتها، رغم مشاغل الأبناء وامتحاناتهم، ووسط دموعها إشفاقا على الآلام التي تعانيها أمها، كانت تقول "أنا بين أمي وأولادي مقسومة نصفين، وفي غياب أمي عن عيني لا أعرف طعم الراحة".

ورغم فتك السرطان بجسدها النحيل، كانت نظيفة متعطرة، لا يراها قريب ولا غريب إلا على أحسن حال، وكيف لا وطفلاتها اللاتي أحسنت إليهن صغارا يرددن لها بعض الإحسان بقلوب حانية، حتى أتممن البر - إن شاء الله- سترا لأمهن بتغسيلها وتكفينها.

ولا ينقص ذلك من بر أبنائها الذكور، ولست بصدد المقارنة والحكم، "إن الحكم إلا لله"، ولكنني لا أستطيع مقاومة دهشة المفارقة، فقد نستقل لضغط القناعات الشائعة نعم الله العظيمة.. ولكن حقًا وصدقًا "البر لا يبلى".

اللهم ارحمها رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناتك، وجميع موتى المسلمين..

بواسطة: مي عباس
29/12/2016   |    578   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

فقه المرأة في رمضان ( ملف) مطبخك في رمضان.. نصائح ووصفات