رائحة جدتي

تذكرت رائحتها وكأنني أنعم بحضنها من جديد، رائحة الأمان والحب هي رائحة جدتي، تصاعدت الرائحة بقوة إلى أنفي وأنا أنظر بعجز وغيظ إلى البيت القديم ينهار، ومطارقُ العمال وعرباتُ الحفر تعمل بلا هوادة وكأنها تقتطع من قلبي وتلقي بلا رحمة.

هؤلاء الذين يهدمون ويحفرون لا يرون ما أراه، خلف هذا الركام والغبار كانت شجرة المانجو الكبيرة تظللني مع بنات خالتي ونحن نتبادل الأسرار التي اعتقدناها خطيرة جدا، وكل منا تكشف للأخرى كم ادخرت من المال وماذا تنوي أن تفعل به، وتحتها أيضًا كنا نجتمع لنمثل أننا سيدات ناضجات وأمهات فتحمل كل واحدة دميتها ونتبادل الحلوى وأكواب الشاي التي لم تكن سوى لعبا أيضا.

وفي الفناء الخلفي طالما اختبأت منهن في لعبة "الغماية" وأنا واثقة أنهن لن يمكسن بي، لخوفهن من الذهاب إليه فقد كنت أكبرهن، وكنت ألقي على مسامعهن دوما بقصص مرعبة عن هذا الفناء، فقط ليبقى مخبأي الآمن.

وعلى سلم البيت الواسع سقطت "مُنى" وهي تجري لتحلق بنا كي نشتري من البقال المجاور، فارتاع الجميع وهرعوا إليها وحملوها وكانت بحمد الله سالمة لم يمسها سوء، لكنني مازلت أذكر خفقان قلبي واختبائي خوفًا عليها، وكيف أغلقت عيني وسددت أذني حتى أغيب عن الموقف المزعج، إلى أن انتشلتني يد خالتي من فزعي وربتت علي بحب قائلة:"هي بخير يا حبيبتي.. لم تختبئين؟.. قوموا إلى اللعب".

تطاير الشباك الخشبي العتيق أمامي، ألقاه العمال بلا اكتراث، وكأنه لم يكن مزاحٌ وغضبٌ وحبٌ وخيالٌ تحته، وكأنني لم أقرأ عشرات الروايات والكتب وأنا أستند إليه وأنظر إلى الطريق الممتد، وكأنني لم أتناول حساء جدتي الساخن وطعامها المميز أمامه، وكأنني لم أستغفر في السحر وأنا أتطلع إلى العالم من خلاله في هذه اللحظات النورانية.. كان شباكي المفضل، وكانوا يسمونه باسمي، ولكنه تطاير الآن عند قدمي.

لم يكن بيت جدتي ساحةً للبهجة والحب فقط، فقد شهد مشاحناتٍ وخصام وجدل، لكنه شهد أيضًا مصالحةً وعناقًا، والأهم.. أنه كان يحمل رائحتها حتى بعد موتها، كنا نجتمع كل حين فنشعر بها حولنا، وندخل إلى غرفتها فنأنس ونستعيد الدفء الذي فارق قلوبنا بعد أن فارقنا الطفولة وأصبحنا نحمل أطفالا فوق أكتافنا.

لم أستطع أن ألوم الكبار على بيعهم البيت المتهالك، فقد تفرق كلٌ إلى عالمه، وبين من سافر ومن هاجر ومن مات ومن غاب ومن قطع ومن انشغل، لم يعد للقائنا المتباعد أهميةً في نظرهم أمام المبلغ الضخم الذي عرضه المشترون والذي اقتسمه الجميع وكانوا في حاجة ماسّة إليه..

لا تصمد حسابات القلب أمام مطارق الحياة طويلاً، لكنني لو قدموا لي مال الدنيا ما عادل عندي لحظة أستعيد فيها وجهها ورائحتها، لكنني يا جدتي سأظل أحملك في قلبي، ولا أنساكي في دعائي، فكل شيء في قلبي حاضرًا طازجًا لم تطمسه الأيام، وما في قلبي لا تصل إليه المطارق وغير قابل للهدم، يحميه حصن من اليقين باللقاء في جنات ونهر برحمة وعفو المليك المقتدر.

بواسطة: مي عباس
25/01/2017   |    1341   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

أسئلة أطفالك عن العلاقة الحميمة افتتان الزوج على الإنترنت.. ماذا بعد؟!