صديقتي واليوجا والكنز المفقود

حدثتني وكأنها كشفت سرا عظيما: "اليوجا هي أفضل ما حصل لي في حياتي".

قلت: حقًا؟.. ولم؟.

قالت بحماس: لم أعرف في عمري هذه الراحلة وتدفق الأمل في قلبي مثلما جربته في حصة اليوجا.

وتابعت: أتعرفين.. سأبحث بشكل أوسع عن كل المراكز التي تقدمها، وسأبحث عن أفضل المدربين والمدربات.

سألتها: أكل هذا من أجل بعض الجلسات والوقفات والتمرينات؟.

هزت رأسها نفيا وقالت: لا يا عزيزتي.. هذا كله تمهيد لحالة الاسترخاء واستدعاء الطاقة الإيجابية التي نعيشها في هذه الحصة الساحرة.. بعد التمرينات التي تهدف لتحرير الطاقة السلبية من الجسد، ننام في وضع معين وتبدأ المدربة بأخذنا لعالم جميل، بكلماتها الهادئة والخلفية الموسيقي والشموع العطرية ووضع بعض الزيوت على أجسامنا تصطحبنا إلى شاطيء بحر، أو حديقة غناء، ونبدأ في التركيز على كلماتها.. كلماتها رقيقة وجميلة حيث لا يأس ولا ألم، تجعلنا نضع كل الأحزان والهموم في صندوق ونلقيه في عرض البحر، ونتخيل أنفسنا على أفضل حال وصورة نتمناها.

سألتها: ثم؟

ردت: ثم نتسيقظ وقد شعرنا بحالة من السلام والروعة.

قلت: إذًا هي ليست مجرد يوجا، وإنما ما يشبه أحلام اليقظة.

بدا الضيق على وجه صديقتي، وقالت: لا ليست أحلام يقظة؟.. لم تسطحين الأمر؟، إنها جلسة علمية وصحية، تفتح شاكرات الطاقة وتفعلها.

قلت: شاكرات الطاقة؟.. أليست جزءا من عقائد الهندوس ومأخوذة من نصوصهم الدينية، ومرتبطة بعقيدتهم في وحدة الوجود؟.

تضاعف الضيق على وجهها وهي تجيبني: حتى ذلك الشيء الجميل الذي بدأ ينتشر في حياتنا في ظل هذه الهموم الكثيرة سيصبح حراما؟!

قلت: يا صديقتي التمرينات ليست حراما، وأحلام اليقظة ليست حراما، والتفاؤل والتخيل الجميل ليس حراما، لكن ربط هذه الأمور تحت مسمى "العلم" بعقائد شرقية لا تؤمن بإله واحد، وإنما تؤمن بألوهية كل شيء فهذا خطر ظاهر.

قالت: ولم لا تكون علوما بحق؟.. أليس هؤلاء الشرقيون أصحاب حضارة عريقة ضاربة بجذورها في التاريخ، ولديهم تراث هائل في الطب البديل وعلوم النفس؟.

قلت: نعم لديهم.. ولكنه مشبع بالشرك وفساد التصور عن الرب والكون والإنسان، إنهم ينطلقون في كل تصوراتهم مع الاعتقاد بـ"الإله غير الشخصي".. هل تعرفين معناها؟.

أجابت: في الحقيقة.. لا.

إنها ترجمة لكلمة impersonal god أو بالأدق impersonal force أي القوة السارية والمتنقلة الهائلة غير محددة بذات علية واحدة متفردة، وهم يبنون سلم عقائدهم على هذه الفكرة التي تتعارض تماما ليس مع الإسلام وحده بل مع الأديان السماوية جميعا.

وما علاقة كل هذه التعقيدات بحصة اليوجا المفرحة التي أحضرها وأحبها؟..

قلت: في الحقيقة لدي مشكلة رئيسية مع المتحدثين عن الطاقة والشاكرات واليوجا وكل هذه الأمور، أنهم ينسبونها للعلم، ويعرضونها كعلوم، والعلوم تخضع للتجارب وتثبت بالدليل، ولكنها عقائد شرقية وثنية.. هذه هي الحقيقة مهما رددوا لفظ "العلم" ولو ملايين المرات.

وتابعت: المشكلة كما أخبرتك ليست في جو التخيل الهاديء وتدريب الجسم على أوضاع معينة، ولكن في اليوجا كطقس يشبه الصلاة، يعتقدون أنه يفتح "الشاكرات" المزعومة.

قالت: حسنًا.. خسارة فعلا لقد كنت أشعر ببداية جديدة في حياتي، كنت أود لو لم تكن محفوفة بكل هذه المخاطر.

قلت: ربما سيبدو ما أقوله الآن موجها ومكررا بالنسبة لك، لكن ما جعلك تشعرين بهذه السعادة في غرفة اليوجا مع إنسانة تلقي على مسامعك أحلاما وتقوي الخيال بداخلك.. يجعلك قادرة على أن تذوقي لذة الدنيا، وأمتع ما فيها، بأن تبدأي عهدا جديدا مع الصلاة.. نعم الصلاة يا صديقتي الحبيبة، الصلاة التي فقدت تأثيرها الروحي لما أصبحات حركات جسدية وكلمات، ما يحرر الهم، ويفتح أبواب الأمل هي الصلة بالإله العظيم الحق، ما يبشر ببداية جديدة ويملأ القلب سلامًا وحكمة هو دعاء السجود، وفاتحة الكتاب التي يرد عليك رب العالمين فيها.. الحرمان من هذه الصلة هي الخسارة حقًا يا حبيبة، وهي الكنز المفقود.

بواسطة: مي عباس
30/01/2017   |    437   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال