حروف وأطياف

أحاديث القبر
مي عباس
أضيفت: 1438/05/30 الموافق 2017/02/27 - 09:51 م
عدد القراء: 138

وعندما بلغت التراقي، وانهار الأمل في نفوس الأحبة، وتعلقت العيون بها تستحضر كل ذكرى، فرت دمعة.. ليس حزنا على النهاية بقدر الإشفاق على البداية.

وعندما تيقنت أنها ستبيت ليلتها في التراب، تبدت فجأة أمامها حقيقة هذا الجسد الذي تفارقه، وشعرت بحسرة كل دقيقة مرت لم تستغل نعمته.. قوته.. في خير يسبقها الليلة إلى القبر.. وتهاوت أمامها لذاته وتنعمه.

كل الدموع التي انهمرت حزنا على ورهقا صارت بلا معنى، وكأنها لم تكن! فيم كان البكاء؟.. لا تذكر، لا تذكر سوى ومضات بكت فيها خشية وإقبالا على ربها في ليالٍ اقتطعت فيها نفسها من فراشها الدافيء، ولعلها أن تضيء اليوم قبرها الموحش.

كل الصراعات والحروب على المال والوجاهة، قصص الماضي والحاضر تلاشت بسرعة عجيبة، لم يبق إلا تركة الذنوب الثقيلة، يا للكلمات وكثرتها.. يا لثرثرة النميمة التي تحمل اليوم مغبتها

شعرت ببرودة يديها، لم تعد أياديهم الممسكة بها تدفئها، وعندما غامت الرؤية وتناقص الإدراك فلم تعد تتبين وجوههم وهم أقرب الناس إليها، تمنت لو أنها لم تهرب بجزعها يوما إليهم.. تمنت لو كان فرارها دوما في الشدة والرخاء إلى من إليه المساق.

لن تكون معهم الليلة وهم يلتفون حول جسدها ويقبلونها باكين.. لن تستطع أن تربت عليهم وتبشرهم كعادتها بالخير وتهون آلامهم، لن تحمل همهم حتى وتطمئن عليهم، ترى.. لماذا كان كل ذلك القلق عليهم؟.. ولماذا عاشت بالخوف الكبير أن يصيبهم مكروهًا؟.. ها هي ترحل وتتركهم وراءها، سيمشون خطاهم ويعيشون أقدارهم بدونها، سيتحملون آلامهم، ويبحثون عن الفرحة، سيواسي بعضهم بعضا، ويحاولون نسيانها لأجل صغارهم.. كان الله ولم يزل ربها وربهم، وهو وكيلهم في حياتها وبعد مماتها.. فآهٍ لو كان جزعها أمنا به، وقلقها توكلا عليه.

الليلة ستتحكم في هذا الجسد أخريات يغسلنها، وآخرون يحملون نعشها، طالما نعمته واهتمت به، طالما تفاخرت بالحُسن، وأنفقت لتؤخر علامات السن، تُرى كم وقفت أمام المرآة؟.. وكم حزنت؟.. وكم فرحت؟.. وكم استعدت للتباهي؟.. كنت مقدورا للتراب كل هذا العمر، كنت موقوتا للفناء.

غدًا سيبكونها، وبعد غدٍ سيتصدقون عليها، والشهر القادم سيحضرون إلى بيتها فتسبقهم الدموع ويدعون لها، وبعد عام ستصبح دعاءًا في ختام صلواتهم "رب اغفر لي ولوالدي"..

الاسم  
البريد الإلكتروني(لن يتم نشره)  
الدولة  
 

الاسم  
البريد الإلكتروني  
الدولة  

التعليقات
لا توجد تعليقات

الموقع العام | الملتقى الفقهى | رسالة المرأة | موقع الطفل | English Website for Muslims | English Website for Non Muslims | Español | Francais | 中文 | Pусский