"فأتبع سببا"

"لقد كان في قصصهم عبرة".. فالقصص القرآني هو أحسن القصص، والمتدبر فيه يجد العبرة وتتفتح في قلبه نوافذ للبصيرة والرشاد..

وفي سورة الكهف قص الله تعالى علينا سيرة "ذي القرنين"، ذلك الرجل القوي الناجح الذي مكن الله له في الأرض، ودانت له أمم وشعوب.

وإذا كنا نبحث هنا وهناك، ونترجم مئات الكتب بحثا عن قصص الناجحين، وكلماتهم ونصائحهم، فهذه القصة بين أيدينا، اختارها لنا رب العالمين نموذجا، فهي بلا شك أولى وأصدق، وأجدر بالتأمل والاتباع..

وقد أبحرنا فيها سابقا، مسترشدين بقوله تعالى حكاية عن "ذي القرنين": { مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ}. الكهف: 95.

واليوم نتدبر في قوله: {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)}. الكهف

وقد تكرر قوله "أتبع سببًا" في قصة ذي القرنين ثلاث مرات، وهو أمر جدير بالوقوف والتأمل.

قوله تعالى : "وآتيناه من كل شيء سببا" قال ابن عباس : "من كل شيء علما يتسبب به إلى ما يريد".. وهكذا فسرها كثير من السلف بأن السبب هو العلم.

فأتبع سببا: أي سلك وسار في الأسباب التي آتاه الله إياها.

يأتي قوله تعالى "ثم أتبع سببا" بين نهاية وبداية مسير جديد لذي القرنين، بل ابتع السبل التي وفق ويسر لها.

وهذه من إشارات النجاح الهامة في القصة.. فالبعض قد يتوهم أن النجاح "ضربة حظ" مثلا، أو أنه مجرد ظروف جيدة، وبيئة ناجحة وداعمة.. لكن الحقيقة ليست كذلك، فتوفر الأسباب لا يكفي، ولا يصنع فارقا، لو لم يتبع الإنسان تلك الأسباب.

وإذا كان أكثر علماء السلف فسروا الأسباب في قصة ذي القرنين بالعلم، فلأنه مفتاح كل الطرق، وكان بعضهم أكثر تحديدا فقال بأنه علم لغات البشر وألسنتهم.

ولننظر حولنا الآن.. وكيف أسهمت ثورة الاتصالات في توفر أسباب العلم وسهولتها، في كل يوم تتهاوى الطرق التقليدية والعوائق أمام التعلم، وعن قريب وفي ظل تطور أدوات وطرق التعلم المفتوح واسع النطاق عبر الإنترنت والمعروف اختصارا بـ MOOC، سيصبح بإمكان أي شخص أن يدرس ما يريد من أرقى جامعات العالم ويتطور فيه وهو في بيته وبضغطة زر.

لكن كما نرى فإن توفر أسباب العلم لا يعني زيادة العلماء، وإتاحة السبب لا تؤدي إلى تحقق الهدف ما لم يُتبع الإنسان هذا السبب، ويسير فيه، ويغتنم فرصته.

قال الشيخ سعدي – رحمه الله-: "أتبع سببا" أي:"استعملها على وجهها، فليس كل من عنده شيء من الأسباب يسلكه، ولا كل أحد يكون قادرا على السبب، فإذا اجتمع القدرة على السبب الحقيقي والعمل به حصل المقصود، وإن عدما أو أحدهما لم يحصل".

مواد متعلقة:

"ما مكني فيه ربي خير"

"فأعينوني بقوة"

بواسطة: مي عباس
07/03/2017   |    322   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

فقه المرأة في رمضان ( ملف) مطبخك في رمضان.. نصائح ووصفات