علموا أبناءكم حرفا.. فليس بالشهادات وحدها تبنى الأمم

تتصور غالبية الأسر العربية خطأً أن نجاح أبنائها الحقيقي يتلخص في حصولهم على شهادات عليا من الجامعات – حتى لو كانت في تخصصات يصعب أن يحصلوا عن طريقها على فرص عمل مناسبة تدر عليهم عائدا ماديا يمكن من خلاله توفير احتياجاتهم، وتلبية مطالب أفراد أسرهم بعد زواجهم مستقبلا، وتظل تلك الأسر تزرع  داخل عقول أبنائها طوال سنوات تعليمهم  أن كليات الطب  والهندسة وغيرها من كليات القمة – كما يحلو للبعض أن يسميها – هي المعبر إلى الحياة الكريمة الآمنة، والموصلة إلى الحصول على مكانة رفيعة في المجتمع، وعليه ينشأ الأبناء وفي مخيلتهم أن ما دون الطب والهندسة يعد فشلا، أو ضعفا في مستوى الذكاء والقدرات!، غير ملتفتين إلى أهمية التخصصات الأخرى للأفراد والمجتمعات، وغير واعين بجدوى  التعليم الفني، وأهمية تعلم الحرف المختلفة التي لا يستغنى أي طبيب أو مهندس أو أي شخص آخر - مهما علا شأنه - عن العاملين بها،  والمعنيين ببناء وتأسيس البيوت للسكن فيها، وبإصلاح أعطال الكهرباء، والسباكة وغير ذلك..

ولو أيقنت كل أسرة لديها ابن محدود القدرات، ويعاني صعوبات في التعلم المدرسي أن التعليم رزق، وأن لا أحد يستطيع أن ينجح في التعليم عنوة، أو بدفع المال – كما يفعل بعض من يدفعون رشاوى لإنجاح أبنائهم في التعليم، أو من يدفعون أموالا كثيرة للجامعات الخاصة كي يحصل أبناءهم على شهادات عليا -  رغم ضعف مستواهم، لارتاحت تلك الأسر، وأراحت أبناءها، وما أثقلت نفسها، وأرهقت أبناءها، وضيعت بعض سنوات عمرهم هباء فيما لا يجدي، ولا ينفع..

لذا من المهم جدا أن تعمق الأسر نظرتها إلى التعليم الذي لابد أن ينفع صاحبه، ولا يكون عائقا في طريقه، ومهدرا لسنوات عمره دون جدوى، وذلك بتحديد الأولويات، والتعامل مع مستويات الأبناء وقدراتهم في التعليم بأنها رزق من الله، ينبغي الرضا بها سواء كانت ضعيفة، أو قوية، وأن تعلم الحرف لا يعني فشلا، أو غباءً بل يعني نفعا للحرفي نفسه، وللمجتمع كله، كما أن تعلم الحرف لا ينبغي أن يكون مقصورا على من لم  يوفق في التعليم، أو من هم أقل ذكاءً، وإنما ينبغي – خاصة بعد قلة عدد الحرفيين في بلاد عدة – أن يحرص أي شخص لديه فائض من الوقت، والجهد على تعلم أي حرفة تحسن من دخله، وتنفع مجتمعه.

العجيب والمؤسف في الوقت نفسه، أن من الأسر من ترفض مطلقا الاعتراف بضعف التحصيل الدراسي لأبنائها، ويعاندون أنفسهم، ويحملون أبناءهم ما لا طاقة لهم به، ويضغطون عليهم كي  يتمموا تعليمهم المدرسي، والجامعي بأي شكل، وبأي ثمن يتكبدونه، إذ لا يريدون الاعتراف بصعوبة ذلك على أبنائهم، ويظنون أن في إخراجهم من المدارس والجامعات حال فشلهم؛ يعد وصمة عار وعيب، بل وفضيحة يخجلون بسببها من مواجهة المجتمع!..

متى ندرك أن الذكاء الأكاديمي هو نوع واحد من الذكاء مقابل عشرات الأنواع الأخرى، وأنه لا يعبر عن قيمة صاحبه ولا يضمن له المكانة، فكم من متفوق أكاديميا لكنه متخلف في الذكاء العاطفي والاجتماعي، وكم من حامل لأعلى الشهادات لكنه متعثر عمليا لأنه لم يكتسب المهارات الحياتية اللازمة، وكم من أولاد وبنات ينجحون دراسيا وبتفوق، ولكن ميلهم الحقيقي وإبداعهم في الفنون أو الإبداعات اليدوية، والتي رغم تميزها والحاجة لها لم يُعترف بها بعد في سلم الذكاء والرقي الاجتماعي المزعوم.

بواسطة: هناء المداح
11/03/2017   |    430   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

فقه المرأة في رمضان ( ملف) مطبخك في رمضان.. نصائح ووصفات