مع تحري ليلة القدر.. "وتبتل إليه تبتيلا"

القرب الشديد يمنع الرؤية.

والإلحاح على العقل بفكرة يحولها إلى وحش ضخم يحتلك وينهشك، بصرف النظر عن طبيعة الفكرة نفسها..

الإدمان الوحيد الآمن هو إدمان ذكر الله، وحده يحررك ويقويك ويبصرك، ما عدا ذلك يحبسك في سجن عقلك وضيق نفسك.

تعرف ذلك المبتلى بغسل يديه وتكرار الوضوء شكا في طهارته، من يقف ساعة ليدخل في الصلاة شكا في نيته وصحة تكبيرة الإحرام، من تطالع البوتاجاز 50 مرة قبل أن تخرج من البيت شكا في أنه موقد.. وغير ذلك من أنواع الوسواس، هو في الأصل فكرة عابرة تضخمت وصارت وحشا احتل صاحبه وبدأ ينهشه ويتحكم فيه.

أتشعر بذلك الصفاء العقلي فور استيقاظك من النوم، خفوت أصوات البارحة، هدوء الغضب والحيرة، إنها النتيجة المباشرة لراحة عقلك، ضعفت الأفكار وهدأت إلا إذا كانت طاردتك في أحلامك أيضا!

مقبلون على العشر الأواخر من رمضان، زمان التبتل والانقطاع إلى الله، قسط الرهبانية في دين أعطى لكل ذي حق من مكونات الإنسان حقه..

في تبتلك.. انقطع عن فكرتك الضخمة، عن ذنبك المتكرر، عن حاجتك الملحة، عن حلمك البعيد، عن شكك المريب، عن مرضك، خوفك، أحزانك، ذكرياتك المريعة، أخطار العالم..

امنح عقلك راحة حقيقية، وساعد نفسك على الدعاء، فإلحاح الفكرة وتضخمها قد يملأ القلب يأسا حتى واليدان مرفعوتان، وثق أنك ستجد الإجابات الصحيحة عندما يعود عقلك لكفاءته.

التبتل

قال تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً}. المزمل: 8.

والتبتل هو الإنقطاع، من بتل ومعناه قطع، وسميت مريم بالبتول لانقطاعها عن الأزواج، وتفرغها للعبادة وخدمة بيت الله.

وفي هذا الانقطاع إلى الله، حبا وإقبالا وتمجيدا، يجد الإنسان حقيقة حياته، وتتبد لقلبه أسرار الإيمان بما لا يحيط به لفظ.

في الانقطاع إلى الله تهون الدنيا بما فيها، من مخاوف وأفراح وآمال، ويتخلى القلب عن الشواغل فيستشعر جانبا من لذة القرب التي لا تكتمل إلا برؤية الله وكلامه في الآخرة.

فرصة رمضان

المحروم من حُرم الفرص العظئمة التي يمن الله بها علينا لننيب ونتوب، ورمضان فرصة عظيمة، ليس للإكثار من العبادة فحسب، بل للانقطاع وتفريغ القلب من الشواغل، فالمسلم يخالط الناس ويتزوج ويعمر، لكن نأتي في العشر الأواخر من رمضان لسنة الاعتكاف، وفيها انقطاع لذكر الله، وانقطاع عن الدنيا، ليحيى القلب ويتخلص مما علق به طوال العام من انغماس في هموم الدنيا وزينتها.

وإن لم تتمكن من الاعتكاف في المسجد، فلا تحرم نفسك من التبتل في هذه الليالي المباركة، كلما وردت على قلبك الهموم والشجون أخرها، وهون منها، واقفز فوقها سريعا إلى الانقطاع إلى الله.

بواسطة: مي عباس
19/06/2017   |    686   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

أسئلة أطفالك عن العلاقة الحميمة افتتان الزوج على الإنترنت.. ماذا بعد؟!