صمت الحرمان

أطال إليها النظر، وقلبه يكاد يطير من الفرح، ولسانه يلهث بالشكر لله؛ فها هي ابنته عروس.. أقر الله عينه برؤيتها في الثوب الأبيض، والسعادة تفيض على وجهها، فطارت به الذكريات..

تذكر وهي بين ذراعيه لم تتجاوز الثالثة، بعد أن نجيث من حادث أليم فاضت فيه روح أمها، كان يحتضنهوا تسقط دموعه على وجهها الباسم الصغير، ويتساءل ماذا سيصنعان سويا في هذا العالم وحدهما؟، وكيف سيربيها ويكون لها أبا وأمًا، وأفاق من ذكرياته على تهنئة المدعوين.

ثم اقتحمته الذكريات ثانية، إلى زمان أبعد من ذاك، إلى صوت أبيه الصارم يهز أركان البيت يشتم ويلعن ما حوله، ويختبيء هو ولمّا يتجاوز العاشرة حتى لا يتعرض لضرب وركل هذا الغاضب المتذمر، وتحتل ذاكرته صورة أمه الضعيفة الواهنة تنطلق لتلبي ما يمكنها من طلبات زوجها، كانت حياتهم قاسية فظة فانفضت عُراها، فرّ أخيه الأكبر، أما هو فقد جعلته رجفة الخوف والقلق الدائم متلعثما في الكلمات، وكأن لسانه معقود فاعتاد الصمت.

ومرضت أمه مرضا شديدا، وسرعان ما وافتها المنية ليُطوّق الحرمان حياته، وغرق في استذكار دروسه، وأبهر مدرسيه بذكائه إلا أن الكلمات لم تكن تسعفه ليبدي ما في قلبه.

وتزوج أبوه بأخرى، وتغير هذا الغاضب واستكان لتلك الأخرى يلبي لها كل أوامرها، وما لبث أن أرسله إلى بيت خاله ليعيش هناك يبتغي مرضاة زوجته الشابة التي لم تعد تريد ابنه في البيت.

وهناك في بيت خاله الفقير صاحب العيال الكثر، لم يجد مفرًا من العمل في مكتبة ذلك العم الذي يسكن بجوارهم، وكان صاحب قلب كبير، فأعانه على مواصلة دراسته، وسمح له بالمبيت داخل المكتبة، فاستراح وأراح خاله، وأخذ ينهل من قراءة كل ما يقع تحت يديه، ووجد طريقه في التعبير كتابة، فإن كانت الألفاظ تخونه فيما يريد، فقلمه كان طائعا له مسترسلا، وأنهى دراسته الجامعية وظل يكتب ويقرأ، وأعانه صاحب المكتبة على طبع ونشر كتاباته، وأصبح أديبًا مرموقًا يشار إليه بالبنان، وما لبث أن تزوج ، ووصل به قطار ذكرياته إلى تلك الصغيرة التي عاهد نفسه أن يهب لها حياته فهي نعمة الوهاب، وإذا بها وهي تنطق بكلمات طفولتها المحببة المتكسرة قد أخرجته من صمته وأطلقت لسانه ولم تعد تتعثر كلماته، وحلّ الدفء مكان الحرمان، وتعلما معا كيف يكون تواصل الحوار وجاذبية الكلام، فأقبل عليها يقبلها ويدعو لها بالسعادة مع زوجها، ويشكر الجميع بأعذب وأرق الكلمات.                   

بواسطة: أم الفضل
08/01/2018   |    4009   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

أسئلة أطفالك عن العلاقة الحميمة افتتان الزوج على الإنترنت.. ماذا بعد؟!