مكتبة المرأة

المرأة المسلمة والتحديات المعاصرة 1

المرأة المسلمة والتحديات المعاصرة 1
شريفة بنت عبد الله الغديان
أضيفت: 1428/12/21 الموافق 2007/12/31 - 12:00 ص
عدد القراء: 2105

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فهذا  عرضٌ لبعض التحديات التي تتعرض لها المرأة المسلمة في الوقت الحاضر، مسبق بتمهيد موضح فيه كون المرأة المسلمة ثغرة مهمة في الأمة.

نسأل الله أن ينفع به وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.. آمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

المرأة المسلمة باعتبارها ثغرة مهمة في الأمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وبعد..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نحمد الله تعالى على تيسير مثل هذه اللقاءات ونسأله أن ينفع بها، وأن يجزي القائمين عليها خيرا، وحديثنا اليوم سيكون عن المرأة وعما تواجهه من تحديات فلماذا الحديث عن المرأة؟

إن الحديث عن المرأة هو حديث يتعلق بأهم أركان المجتمع البشري إذ أنها نصفه وتلد نصفه الآخر الذي هو الرجل، فتكون بذلك هي المجتمع كله، هي الدرة المصونة واللؤلؤة المكنونة، جعل لها الإسلام حق البر والرحمة أماً وفضلها بثلاثة حقوق وجعل لها حق المعاشرة زوجة، وحق التربية والشفقة بنتاً وأختاً.

هي مربية الأجيال وصانعة الأبطال، بصلاحها تصلح الأمة بل وتتصدر قيادة إصلاح الأمم الأخرى، وبفسادها يفسد كل شيء ويبقى المجتمع في آخر الركب وفي ذيل السرية ـ إن استطاع أن يلحق بهما.

ومن هنا كانت محط الأنظار وموضع الهدف ـ إصلاحا وفساداً ـ  فكيف يجب أن يكون الحديث إلى المرأة وعنها؟ وكيف هو الآن؟

إنه ثمة مفاهيم وقناعات حول قضية المرأة تكونت وترسخت بفعل عوامل ومؤثرات عدة، وتحولت إلى بدهيات جعلت كثيراً من الناس ينطلق منها مباشرة، ويغفل عن أصلها ومنشئها ومدى سلامتها واتفاقها مع المنهج الشرعي.

ومن هذه المفاهيم التي يُنطلق منها أن للمرأة خصوصية فطرية, ترتب عليها بعض الخصوصية في الأحكام الشرعية، مما تتميز به عن الرجال، وهذه الخصوصية إنما هي في أحكام استثنائية، إذ الأصل العموم، فخطاب الشرع يأتي عاماً يخاطب به الرجل والمرأة على حد سواء.

لكن هناك من يعكس المسألة فيجعل الخصوصية هي الأصل, ويبدو ذلك في المطالبة بتوجيه حديث خاص للمرأة في كل قضية تطرح ـ  وإن كانت القضية عامة لا تدخل ضمن دائرة خصوصيتها- فهذه النظرة علاوة على خطأ منطلقها تحرم المرأة من كثير مما يطرح في الساحة نظرا لأنها تنتظر الخطاب الخاص.

وهناك صنف آخر استصحب حكم العام على الخاص، ونفى وجود استثناءات مطالبا بتوحيد الحقوق والمهام ناسيا أو متناسيا أن اختلاف الجنس يتطلب اختلاف الوظائف في أدنى الكائنات رقيّاً فكيف بأرقاها وهو الإنسان؟!!

أما النظرة المتزنة فهي التي تتجلى في سيرة نبيناr، فهو لا يهمل المرأة بل يوجه لها الخطاب الخاص فيما يخصها, ثم تبقى القاعدة بعد ذلك عموم باقي الخطاب.

فهل ما يدور في الساحة الآن, حول قضية المرأة يأتي وفقاً لهذه النظرة المتزنة؟

إن ما يدور في الساحة وما يقدمه بعض المثقفين ويتناوله بعض الكاتبين في وسائل الإعلام عن قضية المرأة وحقوقها يدعو المتأمل للوقوف معها، فلا تُتناول قضية من قضايا الأمة بالبحث كما يتناولون قضية المرأة إثارة وإلحاحاً وإصراراً, وهذا لا يعني أننا نهمش القضية أو نقلل من شأنها بل هي من كبرى القضايا في هذا العصر وفي كل عصر، وتنبع أهمية هذه القضية من منطلق أهمية  المرأة وعظم دورها في المجتمع لا من منطلق كونها مهضومة أو مسلوبة الحق ـ  كما ينطلق منه بعضهم- وعلى هذا فالإنصاف يقتضي أن نقرر أن لكل إنسان الحق في مناقشة قضية المرأة ـ  نظراً لأهميتها- ولكن ليس لأحد الحق أن يناقش القضية خارج الأطر العلمية التي تعطي المناقشة قيمة وتجعل لها هدفا وتنطلق من المسلمات الأساسية التي تعالج من خلالها القضايا الاجتماعية وفق ثقافة الأمة ومكوناتها الأصيلة وأهدافها في الحياة.

فما كل من صفقت كفاه محتفل          ولا على كل غصن يطلع الثمر

فلابد من الجدية في الطرح, والعمق، والمنهجية في النقاش من أجل تحقيق النتائج المرجوة.

ولابد من التفريق بين مسائل الخلاف والمسائل المتفق عليها ووجود الخلاف ليس مسوغا لأن يختار الإنسان ما يهواه وتلذه نفسه بل إن ذلك يفرض عليه التحري وسؤال العلماء {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ثم إن وجود الخلاف ليس مبررا لأن يتكلم كل من أراد, سواء تأهل أو لم يتأهل، ويلاحظ أن هذا الضابط يكاد يكون ملغى عند أمثال هؤلاء, وإذا طولبوا بالتأهيل لذلك، رد القاتل بأنكم تجعلون الإسلام دينا كهنوتيا لايمتلك تفسير نصوصه إلا طائفة معينة من الناس.

وللأسف فإن كثيرا ممن يطرح القضية هم في حقيقة الأمر لا يعالجونها, وإنما يزيدون الطين بلة، والمسألة تعقيدا، فهم يخضعونها لكل مقاييس العقل البشري وينسون أن يخضعوها لحكم الله، ولذلك فإن آراءهم تتسم بالخلاف الشديد، وبالآراء الارتجالية القاصرة التي قد يتوهم البعض في أول الأمر سلامتها ونفعها ثم يتضح مع الأيام فسادها.

وهؤلاء لا يخرجون عن ثلاثة أصناف:

صنف جاهل لا يعلم من الكتاب إلا أماني، يسير خلف من ينادي بحريتها ومساواتها، فإذا ما استبان له الحق أذعن إليه، وإذا ما رد إلى الكتاب والسنة عاد إليهما.

وصنف ثان عالم إلا أن الحضارة الغربية غرته بزخرفها فانساق لها آ خذا بالصالح والطالح منها دون روية أو تكفير.

أما الصنف الثالث فهم أعداء متآمرون على الدين وعلى المرأة, يريدون إفسادها والإفساد بها وقد استخدم هذا الصنف الصنفين الآخرين في تمرير خططه وتحقيق أهدافه بعد أن أدرك أن الذين يتحدثون باسم الإسلام أكثر تأثيراً وخطرا على مفاهيم الإسلام وتصوراته في نفوس أهله، ممن يخالفهم في الدين والعقيدة فاستخدموا من ينتسب إلى الإسلام اسما وشكلا ويكون من تعاليمه وقيمه أكثر بعداً.

وجاء إدراكهم لذلك بعد أن تبين لهم أن الإنسان بفطرته نفورٌ من الذل، آب على الحيف، فمتى أصابه الذل من غيره تحركت الكرامة والعزة في داخله ـ  ولو بعد حين ـ  ليتخلص من الذل الذي هو فيه، أما إذا نبع الذل من النفس وانبثق من القلب فهو الداء الدوي والموت الخفي، فعدلوا عن احتلال الأراضي واستخدام القوة لأنها أكثر كلفة وأقل نجاحا وأوضح أغراضا وعدلوا إلى ما هو أسهل وأبقى وهو استعمار القلوب واحتلال العقول فكان طريقهم الجديد هو الفكر والثقافة فشنوا غزواً فكريا يتضح فيه التوجه الشديد لأسر العقول وتوجيهها نحو غايات معينة؛ لأن العقول التي تقع في الأسر تفقد المقاومة، فتسهل السيطرة عليها واستلاب إرادتها وكان النصر المؤزر لهذا الغزو هو الظفر بالمرأة، فمتى تحقق ذلك فسيأتي ما تبقى تبعا.

ومن أبرز ما يتسم به هذا الغزو هو إخفاء الدوافع لدرجة يجذب فيها الرأي العام، فإنشاء مؤتمر كمؤتمر بكين يتبين فيه ما يتعلق به أصحابه من شعارات زائفة تبعد الشبهات والمساءلات.

أما في مؤتمراتهم وفيما بينهم فيبدو التصريح بالدوافع واضحا جليا، يقول اليهودي(يوبيه): (تأكدوا تماما أننا لسنا منتصرين على الدين إلا يوم تشارك المرأة في صفوفنا).  وهذا الغزو ليس وليد اليوم والليلة إذ قرر المؤتمرون في بولونيا منذ عام 1899م ما نصه: (يجب علينا أن نكسب المرأة, فأي يوم مدت إلينا يدها فزنا بالمرام, وتبدد جيش المنتصرين للدين).

فعملوا على إ فسادها- بدعوى تحريرها- من المثالية والأخلاق الفاضلة حتى ينالوا منها ما يشتهون ومن مجتمعها ما يريدون إذ أنها أفتك الأسلحة التي كانت ومازالت تستخدم في حرب الفضيلة ونشر الرذيلة، يقول r: (اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)[1].

فانبرى لهذا الأمر دعاة الفتنة ممن سلبت حضارة الغرب عقولهم وأوقعتهم في أسرها فلا يستطيعون منها فكاكا، فتولوا عن حماية الفضائل الإسلامية في نسائهم ونساء المسلمين إلى إشاعة الفاحشة، ومدارج الفتنة، وعدلوا عن حفظ نقاء الأعراض وحراستها إلى زلزلتها عن مكانتها وفتح أبواب الأطماع في اقتحامها.. وكل هذا بإخفاء للدوافع عن طريق الشعارات الزائفة والدعوات المضللة باسم حقوق المرأة وحريتها ومساواتها بالرجل.

فأصبحت المسلمة في عالمنا العربي والخليجي بخاصة تواجه مدا ثقافيا هائلا مركزا في قضية المرأة فكريا في كتب وندوات ومؤتمرات وإعلاميا في صحف ومجلات وبث مباشر وهو من الخطورة بحيث يمكن أن يزيغ الفؤاد ويهز بقوة لا مجرد التقاليد المتواطأ  عليها ولا الجزئيات التي يمكن القول فيها بل يهز المسلمات الدينية التي قررتها نصوص الشريعة.

ولما كان الأمر كذلك كان ولا بد من معرفة شيء مما يخطط له أعداء الدين، وذلك بعرض ما يواجه المرأة من تحديات في الوقت الحاضر حتى تكون على بصيرة مما يحاك حولها وضدها، فإلى عرض هذه التحديات.

   نماذج من التحديات التي تتعرض لها المرأة المسلمة:

أولاً: النقص في وضوح التصور الإسلامي:

يعاني بعض الناس بصفة عامة والمرأة بصفة خاصة في العصر الحاضر من غبش وغشاوة يحيطان بأفكارهم حول الإسلام وتعاليمه، وما يكاد ينجلي جزء منها بدعوة مسلم أو تصرف من داعية إلا ويعكف الأعداء على إعادة ما انجلى مرة أخرى وزيادة بصورة مشوشة ومشوهة للإسلام فسعوا إلى تشويهه سعيا حثيثا وبذلوا في ذلك الأموال الطائلة لأنهم رأوا سرعة انتشاره وسرعة من يعتنقه وفطنوا  إلى أنه لا بد من إيجاد البديل عند تشويهه، وكان ذاك البديل هو النموذج الغربي الرائع! فكثرت الدعوات الصريحة وغير الصريحة باقتفاء أثر المجتمع الغربي شبرا بشبر وخطوة بخطوة.

جاء في جريدة الشرق الأوسط العدد 793 تاريخ 19/8/2000 السبت صفحة دين مقال بعنوان (700) فلم أنتجتها هوليود لتشويه صورة الإسلام، ومما جاء في المقال:

أن الإسلام ينتشر بسرعة فائقة في أوساط الشعب الأمريكي, وأكثر ما يعاني منه المسلمون الأمريكيون نجاح حملات التشويه التي كان يحيكها خصوم الإسلام تجاههم, وركزوا على إنتاج الأفلام لكي يحققوا أهدافهم، وتصل تكلفة الفيلم الواحد ما بين (80) إلى (100) مليون دولار. والأفلام التي أنتجت من خلال هوليود التي قامت منذ (85) سنة (700) فيلم ركزت فيها على تشويه صورة المسلمين.

وكان هذا التشويه على مراحل حيث ذكر المقال: أنهم في البداية صوروهم على أنهم متخلفون ومغرمون بالنساء ثم على أنهم إرهابيون متطرفون ومصدر للعنف وخطر على الأمن والحضارة الغربية. أهـ

واتخذ هذا التشويه الإعلامي صورا متعددة فتارة هو تشكيك لبعض أحكام الإسلام واتهامها بهضم حقوق المرأة, كمسألة التعدد ـ  مثلاً ـ  فقد زرع الإعلام في حس المرأة شعورا بأنه حكمٌ شُرِعَ عليها لا لها. وذلك بعرضه المستمر للمشاكل والآثار السيئة للتعدد بدءاً بكمّ هائل من قصص النزاع بين الزوجات وضرائرهن وأزواجهن وانتهاء بحالات التيه والضياع التي يتعرض لها أبناء الأزواج المعددين والذين ينشأون بين عواصف مهيبة من الشقاء العائلي وفي حين يظهر المعددين على أنهم أشخاص مغرقين بنزوات جنسية ملحة يمارس تجميل حالة الذين يتبعون رغباتهم بطرق حيوانية وتحسينها. وسيأتي الحديث عن دور الإعلام في مثل ذلك وغيره.

ثم تارة أخرى يلجؤون إلى إثارة تساؤلات عدة، الغرض منها أن تصل المرأة إلى نتيجة الاستسلام بأن تقول:  حقا إن الإسلام هضمني.

فلماذا ميراث المرأة نصف حصة الرجل؟

ولماذا شهادة المرأة لا تعدل إلا نصف شهادة الرجل؟

ولماذا جُعل الطلاق بيد الرجل دون المرأة؟

ولماذا يحرم نكاح المسلمة لغير مسلم مع جواز نكاح المسلم للكتابية؟

فهذه التساؤلات كانت ومازالت موضع سجال جدلي محتدم في الفكر الاستشراقي والفكر العربي إسلامية وعصرانية، نتج عنه تهجم على الإسلام من قبل كثير من العلمانيين العرب وغيرهم من أبناء المسلمين ودعوة إلى الخروج عليه في تشريعات الأحوال الشخصية للبلدان الإسلامية، كما نتج عنها محاولات تأويلية تحريفية للنصوص الشرعية لتنسجم مع معطيات الفكر المعاصر من علمانيين حتى من كتاب إسلاميين أيضا، ومن هذه المحاولات ربط التشريع  الإسلامي بالواقع التاريخي بحيث يسوغ للمسلم وقد تغيرت الأوضاع الاجتماعية أن يغير هذه الأحكام و إن كانت هذه الأحكام مسلمات ثبت فيها الدليل القطعي، فقول النبي r:  "لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم.. الحديث"[2] لا يمكن تطبيقه في هذا العصر لأن المرأة قد تثقفت والأحوال و الأزمان قد تغيرت فلاداعي لوجود محرم معها في السفر.

ثم لا بأس بوجود دفتر عائلة خاص بها حتى تضمن الراحة النفسية في تسهيل دخول المدارس والسفر للخارج فالمرأة الآن محصنة وقوية، فلاخوف عليها وليست بحاجة لحماية الرجل، إضافة إلى أنها حريصة على  إيمانها من أي شيء يخدشه، وكأن إيمانها أكمل من إيمان حفصة وعائشة ـ  رضي الله عنهما- التي مُنع الصحابة من تكليمهن إلا من وراء حجاب!!.

إننا نعجب كل العجب من هؤلاء الذين لا يأذنون للرجل الصحيح  المعافى ليخالط المرضى وهم في أنفسهم أسرع الناس بعدا عن مواطن الأوبئة ويزجون بالطاهرات والأطهار إلى مراكز الفساد معتذرين بقوة الإيمان لديهم.

ألقاه في اليم مكتوفا وقال له                 إياك إياك أن تبتل بالماء

ومن أمثلة مطالبتهم بتغيير الأحكام الشرعية لعدم ملاءمتها للعصر، ما جاء في إحدى قرارات المؤتمر الإقليمي الذي عقد في إحدى دول الخليج في 15/2/1986م حيث جاء فيه: (إن القوانين والأنظمة التي كانت تخضع لها الأسرة قبل ألف عام ما تزال تطبق على العلاقات الأسرية في عصرنا الحاضر دون النظر إلى مدى ملائمتها).

ما هي القوانين التي من ألف عام؟ ولم يُكتفَ برد المسلّمات وتغيير الحكم الشرعي, بل سلكوا مسلك الاستدلال بأدلة الكتاب والسنة للمغالطة والمكابرة.. كلمات حق أ ريد بها باطل.

فهاهو أحدهم يستدل بقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم..الآية}[3] على جواز كشف المرأة وجهها.  فيقول:  لو لم تكن المرأة سافرة لما أمر الله عز وجل الرجل أن يغض بصره عنها، ونسي المسكين أن الشيطان يحسّن صورة المرأة في عين الرجل حتى لو كانت متحجبة, فأمر بغض بصره حفظاً لإيمانه أولاً ولأسرته ثانيا.

هذه هي الصورة الأولى من صور تشويه الإسلام بالتشكيك في أحكامه أما الصورة الأخرى فهي عرض الممارسات الخاطئة باسم الإسلام ـ  مع أن الإسلام منها براء.

فنسبت بعض الأعراف والصور الاجتماعية الخاطئة إلى الإسلام خاصة في قضايا المرأة وموقعها في المجتمع كتفضيل الذكر على الأنثى واحتقار المرأة, والأنفة من ذكر اسمها، وتهميش آرائها، ولبّس ذلك بلبوس الإسلام.

إضافة إلى التقليل من شأن دورها في الحياة، باعتبارها دائمة الراحة، حيث أن جلوسها في البيت وعكفها على تربية أبنائها هو البطالة المحضة ـ  في نظر بعض الرجال -.

وكانت النتيجة أن وقعت المرأة في بلبلة فكرية حتى صارت لا تعي ماذا تريد ولا أين تتجه؟ واختلطت أمامها المسالك حتى وقعت في تناقض رهيب, تمارس ما تنتقد وتطلب ما تفر منه.

إنه ليس هناك شيء يستطيع تحقيق ذات الأنثى أكثر من بيتها وحدبها على أطفالها، لقد صرح عدد كبير من النساء الشهيرات عالميا في مجال التمثيل والسينما والمسرح والرقص بأنهن لم يسعدن بشهرتهن كسعادتهن بأولادهن.

اسمعوا إلى ما تقوله إحداهن بعدما وقعت وسقطت محذرة بنات جنسها من ذئاب الرجال ممن قد يُصنفون بأنهم أنصار المرأة ودعاة حقوقها.

تقول ـ مارلين مونرو- محذرة بحسرة: (احذري من يخدعك بالأضواء، إنني أتعس امرأة على هذه الأرض، لم أستطع أن أكون أمّاً إني امرأة تفضل البيت والحياة العائلية الشريفة الطاهرة، بل إن الحياة العائلية لهي رمز سعادة المرأة بل الإنسانية، لقد ظلمني الناس، إن العمل في السينما يجعل المرأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من المجد والشهرة الزائفة).

تلك نماذج يسيرة من سعيهم لتشويه صورة الإسلام لأنهم يريدون بذلك الوصول إلى عدم صلاحه، وعليه فلا بد من بديل، لكن ما هو البديل؟ هم يضعونه من عند أنفسهم ووفق ما يحقق رغباتهم, لكن (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)[4]

نشر الفساد الأخلاقي:

المجتمع المسلم وإن ناله شيء من الضعف ينفي الخبث عن نفسه, فيحارب العقائد المنحرفة ويكره الأخلاق الفاسدة، ولذلك حرص الأعداء على إضعاف مناعة المجتمع  المسلم حتى يُفقده الغيرة على دينه والحمية لعقيدته, عند ذلك يصبون في المجتمع بلا مقاومة تذكر ما شاؤوا من ألوان الفساد.

وقد كان ذلك من خلال إبراز صور المخالفات هنا وهناك فالنفوس تقشعر من المنكر أول مرة، وفي المرة الثانية تخف تلك القشعريرة، وفي الثالثة لا تبالي به، وفي الرابعة تبحث عن مسوغ له،وفي الخامسة تفعله, وفي السادسة تفلسفه.

لقد سعى الأعداء إلى إضعاف مناعة المجتمع المسلم بوسائل متدرجة فوسيلتهم الكبرى في ذلك هي الإعلام ووسيلة هذه الوسيلة هي المرأة, فقد جند الأعداء الإعلام لخدمة المرأة وجند الإعلام المرأةَ لخدمة أغراضه، وكان الهدف المنشود هو الوصول إلى المساواة والتبرج والاختلاط, أما نقطة انبثاق هذه الوسائل فقد لخصها أحدهم بقوله: (كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله أ لف مدفع فأغرقوها في حب المادة والشهوات).

إن ما يقوم به الإعلام هو تخدير الشعوب من خلال إشاعة الفاحشة وبث الرذيلة ونشر الإباحية والاختلاط والسفور، والترويج للعنف والجريمة و التعوّد على رؤية المنكرات وعدم التفكير في إنكارها فضلا عن إنكارها, وتفجير الغرائز والعري الفاضح وعرض المفاتن في مسلسلات الإجرام، وخيانة وعنف وإفلات من الإيقاظ مع معارضة صريحة لحجاب المرأة المسلمة وترويج لاستحسان التأخر في الزواج ومحاربة التعدد المشروع مما تفشى معه الطلاق وانتشرت الأنانية وحب الذات.

لقد كان من المفترض أن يكون للإعلام الموجه للنساء مهمة بنائية وتربوية, تهدف إلى الارتقاء بفكر المرأة نحو آفاق أشمل وأبعد، بحيث يكون دورها معه حلقة مستمرة من التعليم والتربية والتثقيف.

إلا أن واقع الإعلام الموجه للمرأة يؤكد أنه قد مارس تهميش فكرها وتعامل معها على أنها جسد فحسب، فطغيان البرامج الترفيهية، وإشغال جزء من ساعات البث وصفحات الصحف بالغث من الموضوعات التي تحصر اهتمامات المرأة بدائرة ضيقة تنطلق من الاهتمام بالشكل وتنتهي إليه بدءاً بالموضة والأزياء والاكسسوارات وبرامج التخسيس وعمليات التجميل وانتهاء بكيفية استغلال المرأة إمكاناتها الشكلية المظهرية للفت انتباه (الآخر).

ومن ثم تصبح مصيدة لكل الشهوات والآثام وتكون مباحا لكل ذي شهوة, فجعلوا جسدها تجارة وأنوثتها متعة، أصبحوا يكسبون المال بفتاة الغلاف ويروجون البضائع ـ  حتى المعدات الثقيلة- بصور النساء، فالمرأة في عصر التحرر من أ على المواد ا لخام في الإعلانات التجارية والسلع الاستهلاكية، وتفنن الإعلام في ذلك.

* فصورها في الصحف والمجلات الماجنة التي لا تبالي فتظهر المرأة بالصورة الفاضحة والمنظر المخزي.

* أخرجوها في التلفاز ممثلة ومغنية وعارضة أزياء ومذيعة ولم يكتفوا بذلك بل مجدوا الفاجرات من الغربيات والممثلات والراقصات والمغنيات وغيرهن فيذكرون بأنها النجمة الفلانية وأنها حطمت الرقم القياسي في الألعاب الفلانية، وكأنهن القدوة التي تطالب نساء المسلمات بالاقتداء بهن.

* استخدموها في الدعاية والإعلان.

* دعوا إلى الصداقة بين الجنسين عبر برامج في أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، وتبادل الهدايا بالأغاني وغيرها.

* بل ومن مبتكرات العصر التقدمي أ ن فتح بابا من أبواب الاستغلال لجسد ا لمرأة جعلوا للجمال ملكة ووصيفات، وماذا تراهم يفعلون؟؟ إنهم يقيسون بدنها وأطرافها وأعضاءها كما يقيسون القطة من الثياب بالطول والعرض والأمام والخلف فالإعلام يرى أن المرأة وجها وجسدا جميلين, مع إلغاء وإماتة مستهدفة لروح العقل والفكر والفهم.

إنها صورة من صور الابتزاز المقيت الساقط!

وكأنهم يصيحون بالمرأة:  أن حطمي وضعك الذي عشت عليه واهتكي الأستار المضروبة حولك، واخرجي إلينا لتري الضياء الذي حجبت عنه دهورا، تحرري من هيمنة الرجل تفلتي من قيود الفضيلة ابرزي بخلعك الحجاب افرضي وجودك وصوتك بخروجك من البيت، متعي نفسك بأخذ حظك من كل مغريات الحياة لا يحكمك سوى ذوقك المتحرر تاجري بأنوثتك الساحرة على غلاف الصحف ومسابقات الجمال وعروض الأزياء والتمثيل.

كل تلك الأمور بدعوى المجد والشهرة، لكن كيف لفتاة الغلاف والمغنية والممثلة أن تسجّد، ومجتمعها مازال يمقت المتبرجة السافرة، ويراها من حثالة المجتمع وسقطه لأنها ت خلت عن إحدى قيمه، وهدمت شيئا من دعاماته؟ لذلك لابد من نشر التبرج والسفور والاختلاط والتخلي عن الحجاب في المجتمع بأكمله.

وتصدى أهل الغيرة لتحذير المرأة من هذه الدعاوى نثرا وشعرا, يقول محرم:

أغرك يا أسماء ما ظن قاسم                  أقيمي وراء الخدر فالمرء واهم

تضيقين ذرعا بالحجاب وما به سوى        ما جنت تلك الرؤى والمزاعم

سلام على الأخلاق في الشرق كله            إذا ما استبيحت في الخدور الكرائم

أقاسم لا تقذف بجيشك تبتغي                  بقومك والإسلام ما الله عالم

لنا من بناء الأولين بقية                      تلوذ بها أعراضنا والمحارم

أسائل نفسي إذ دلفت تريدها                  أأنت من البانين أم أنت هادم

أتأتي الثنايا الغرر والضرر العلا              بما عجزت عنه اللحى والعمائم

فلاارتفعت سفن الجواء بصاعد              إذا حلقت فوق النسور الحمائم

عفا الله عن قوم تمارت ظنونهم              فلا النهج مأمون ولا الرأي حازم

ألا إن للإسلام داء مخاطرا                    وإن كتاب الله للداء حاسم.

ويبدأ التصريح بشيء من الدعاوى فالحجاب ليس حجبا للمرأة عن الرجل فحسب وإنما هو حجب لعقل المرأة عن الطموح والإبداع، كما أنه أقسى وأفظع أشكال الاستعباد!!

إنها موجات غبار تثار وشبهات تفتعل ومغالطات تساق تنبئ إما عن جهل أو عن مكر وما تخفي صدورهم أكبر، يثيرونها في أوقات حساسة تواجهها الأمة ويتحينون أوقات عصيبة فيظهرون آراءهم وأفكارهم بنوع من التحدي والاستعلاء استغلالا للظروف الحرجة.

فالحجاب عقبة أمام تحقيق مآربهم وما هو إلا بوابة يدلف منها هؤلاء إلى الانحلال من الإسلام بالكلية يقول بعض أعداء الإسلام: (لن تستقيم حالة الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن ).  

وجاء الإعلام ليلعب دوره في مسألة الحجاب حيث أغفل الجانب النصي (الشرعي) منه،وصوره على أنه عادة شعبية يتوارثها الأجيال, فيتأكد بذلك دونيتها, وهو معضلة حقيقية تقف عائقا في طريق هذه المرأة نحو النهوض والتعلم والارتقاء.

ففي مقال في الصفحة الأخيرة من جريدة عكاظ في العدد 11921 ليوم السبت الموافق 1/1/1420هـ يقول: (فعلينا إذاً تحرير المرأة من كثير من قيود العادات والتقاليد وكثير منها لا أصل له شرعا بل جاءنا من عهود السلاجقة والعثمانيين وتضييق الخناق بالحجب والقمع، وعلى سبيل المثال فإن مسألة كشف الوجه مسألة خلافية والأغلب مع ا لإجازة في المذاهب الثلاثة وقول للإمام أحمد وعليه فحبذا لو أوجدنا زياً للنساء مثل (البخنق) القديم يغطي الرأس فقط كما هو في بلاد إسلامية كماليزيا مثلا حجاب إسلامي ملتزم ولا يعيقها عن الحركة أو العمل، فالمرأة شقيقة الرجل وبها تكتمل الحياة العملية ).

إن الإسلام يرى أن إكرام المرأة بالاعتراف بالحقوق التي تقتضيها أهليتها وإبعادها عن مواطن الشبهات ومزالق الشهوات فكل ما يفوت على المرأة هذه الأجواء الكريمة يقصيها الإسلام عنها لهذا يؤكد الإسلام على منع اختلاط النساء بالرجال، وأهل الإسلام لا  عهد لهم باختلاط نسائهم بالرجال ا لأجانب عنهن وإنما حصلت أول شرارة قدحت للاختلاط على أرض الإسلام من خلال المدارس الاستعمارية الأجنبية والعالمية.

وهم حين يزعمون أن حرية المرأة تستلزم السماح لها بالخروج والانفلات فما الارتباط بين حرية المرأة وبين الاختلاط بالرجال؟ إنه ليس ثمة علاقة بينهما فلا الاختلاط بلازم من لوازم الحرية، ولا الحرية نتيجة من نتائج الاختلاط بل على العكس تماما لكنه التأسي بوضع المرأة في أوربا، والتطبيق المنضبط لخطوات الخطة.. يقول أ حد أعداء الإسلام: (إن التأثير الغربي الذي يظهر في كل المجالات ويقلب المجتمع البشري رأسا على عقب لا يبدو في جلاء أفضل مما يبدو في تحرير المرأة).

لقد أحزنهم أن تعيش المرأة في راحة واطمئنان فأرادوا بزعمهم تحريرها.

ومن ذا ا لذي يكره الحرية ويحب القيود؟

من هنا كثر استخدام لفظة "تحرير المرأة " ليوحي بأنها عبد يجب تحريره،  وغريق يجب إنقاذه, ولن يتصدى لذلك التحرير والإنقاذ إلا أولئك الرحماء. . ويأتي دور الإعلام ليبرز دور أولئك الرحماء, حيث سلك مسالك كثيرة ومتنوعة تصب كلها في النهاية في قالب واحد وهو أن المرأة المسلمة مهضومة الحقوق مهيضة الجناح ليتظاهر الإعلام بكل قنواته بالدفاع عنها والبحث عن حقوقها وإثارة قضايا مفتعلة كضرورة تحريرها من القيود ومساواتها بالرجال بالإضافة إلى إلقاء شبهات حول أحكام إسلامية معينة، تزرع في حس المرأة لتراها عبئا ثقيلا تتمنى الخلاص منه.

فصور الإعلام قرار المرأة في بيتها بأنه أداة تعطيل لطاقات المرأة وعزل لها عن المجتمع والفعل الاجتماعي كله، ثم دعا إلى ضرورة التعليم المطلق للمرأة ومنحها فرص التعليم حتى في مجالات لا تتناسب مع طبيعتها الأنثوية, فلابأس بأن تتعلم الهندسة وفنون المقاولات وتشييد العمارة. . إلخ.

إن المرأة في بعض بلاد المسلمين خرجت وزاحمت الرجال حتى فيما لا يتزاحم عليه العقلاء فانتظمت في نوادي رفع الأثقال وانتشرت عندهم المراقص وتعرت النساء وتبجحت الإباحيات, أيريدون أن تصل المرأة المسلمة عندنا إلى ما وصلت إليه عندهم؟

ذكرت جريدة المدينة العدد 13153 السبت الموافق 8/1/1420هـ مقالا بعنوان: صباح الخير يقول: (لقد أثبتت المرأة السعودية قدرة فائقة، وأصبحت تنافس الطالب في التعليم والدرجات وأعداد ونوعيات الخريجات لكن ظروف العمل ضيقة ومحدودة..ثم يقول:  إن الحياة تتكون من رجل وامرأة وحصر دور المرأة داخل المنزل تقليل من شأنها وتهميش لدورها في الحياة، نحن بحاجة إلى تصفية مفاهيمنا الاجتماعية حول المرأة بين تعاليم الإسلام السمحة التي تدعو إلى تكريم المرأة وبين المفاهيم المغلوطة حول عزل المرأة اجتماعيا لتصبح مخلوقا مسخا وممنوعا من الصرف يحطى بتقدير واحترام جزئي وأناني يحمل كل من يسعى لتجاوزه موضعا للتهمة والشبهات لتحرير المرأة بالمفهوم الغربي الفاحش).

لقد تعددت مسالك أولئك الذين ينادون بتحرير المرأة ومساواتها بالرجل ـ تلميحا أو تصريحا- فمن داع ينادي عن نظرته تجاه من ينادي بالسماح في قيادة السيارة في مجتمعنا " فذكر أنها أمر ضروري وفق بعض الأطر لبعض النساء وثانوي لبعض النساء الأخر، واشترط لذلك أن يكون مجازا من قبل ولاة الأمر والقائمين على الإفتاء في بلادنا" ولا ندري هل هي كلمة حق أريد بها باطل؟ أم أنها إشارة إلى أن الحاجز المنيع أمام قيادة النساء للسيارة هو ولاة الأمر والقائمين على الإفتاء؟!

فماذا يريد هؤلاء وأمثالهم؟!

إن ما يقال حول قضية المرأة وتحريرها كلام فيه قليل من الحق وكثير من الباطل والتضليل، فليس عندنا قضية باسم تحرير المرأة بعد أن حررها الإسلام لكنه الترداد الأجوف لما تنادي به المرأة في الغرب من جراء الظلم والضرب والهضم الذي يقع عليها من الرجل.

إن الذين ينادون بتحرير المرأة إما جاهلون بحقيقة ما تعانيه المرأة في المجتمعات الأخرى، أو منهزمون نفسيا ومتأثرون بالثقافة الغربية ويريدون تطبيقها بصرف النظر عن سلبياتها وهم يرون في زيف الحضارة الغربية أنموذجا يحتذى به بعد أن فتنهم بريق العيون الزرقاء للشقراء الغربية فحجب عنهم رؤية القذارة النابعة من واقع هذا الانحلال الخلقي.

لقد وصل الحال بالمرأة في المجتعمات الأخرى بانحلال وسقوط، حتى  أصبحت سلعة لا تباع وتشترى فقط بل هي معدة للتأجير بالساعات والساعات مثلها مثل تأجير السيارات، وغيرها من السلع، ويتم الإعلان عن ذلك جهارا نهارا في الصحف والمجلات، فما على طالب السلعة إلا الاتصال بهاتف بعينه ليتم التفاهم على مدة التأجير وثمنه. إنه سوق الابتذال الجنسي لامرأة الجاهلية المعاصرة!!

يقول الشاعر عبد المطلب مصورا ما وصلت إليه المرأة في مجتمعه بعد حركات التغريب:

ما في بنات النيل من             أرب لذي غرض نبيل

أصبحن عابا في الزمان            وسوءة في شر جيل

ما هذه الحبرات تهفو               في الخمائل والحقول

نكسر العفاف ذيولها               ومن الخنا قصر الذيول

إن ينتسبن إلى الحجاب              فإنه نسب دخيل

يختلن أبناء الهوى                    بالذل والنظر الختول

من كل خائنة الحليل                 تهيم في طرق الخليل

أبعد هذا كله تطلب المرأة التحرر من المنزل والخروج عن مسؤولياته؟ أبعد هذا كله تعد المرأة العمل على شؤون المنزل كبتا لطاقاتها؟ إن طلب الإسلام حشمة المرأة وتفرغها لأداء رسالتها الاجتماعية الكبرى، إنما هو تنظيم متوازن لطاقاتها واختزالا لقدراتها فيما يعود  عليها بالنفع أولا ثم مجتمعها ثانيا، وقبل ذلك كله منعا لإهدار طاقاتها فيما لا فائدة فيه فضلا عما يحمل بين طياته ضررا عليها.

ثالثا: عولمة المرأة:

عاشت المسلمة فترة اختناق حرجة في كثير من مجتمعات المسلمين التي هجمت عليها المدنية الغربية فقد ركزت هجومها على المرأة السملمة من خلال ما يسمى بالثقافة النسوية التي تشمل ما أ دخل على المرأة من أدب وفنون وصور إغراء متنوعة في الكتب والمجلات والأفلام و الإذاعات, والرسم والتمثيل والدرس.

فانتشرت تلك الأقلام التي تتملق نوازع الشبان و الفتيان بدعوى الحرية في التفكير والتعبير فتثير منهم الغرائز الحيوانية والشهوات البهيمية وتعرض الفجور والمنكر تزخرفه وتلح فيه وتدفع إليه وتغري به وهذه الصحف والمجلات التي تسود صفحاتها بالقصص الهزيل والأدب المكشوف والصور الخليعة التي تدور كلها حول الجنس ولا تهدف لغير استمالة فريق من القارئين ولا تنفث إلا الزعاف يسري في الأوصال.

صوروا للمرأة أنها بهذه الثقافة تحقق ذاتها، فصارت تعب منها وبالتالي تبتعد عن الإسلام ـ بصفته المقابل لتلك الثقافة ـ الذي يفقد النصير الواعي المؤثر.

ولعل آخر وأشرس هجوم يوجه لثقافة المسلمة في هذا العصر هو عولمة المرأة فما هي العولمة؟

إنها صور من صور جهود  اليهود والنصارى لإذابة الفوارق بينهم وبين المسلمين "ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء".

العولمة هي فرض نظام عالمي جديد بالقوة ع لى العالم كله، بحيث يكون قوة عالمية واحدة تنهار أمامها كل القيود والحدود والحصون ويلغى في ظلها ثقافات الأمم وتاريخها وأفكارها فيغدو كل هذا ذكرى بلا قيمة ولا معنى، ويبقى فقط ثقافة وفكر هذا النظام العالمي والذي يمثل الدول الكبرى اقتصاديا وعلى رأسها أمريكا فهي تريد أن تفرض ثقافتها وأنماطها الفكرية ع لى دول العالم الثالث بتعميم النموذج الغربي في العالم وليس هذا فحسب بل إن الهدف الأساس من العولمة هو تشكيك أمم الحضارات العريقة في حضاراتها ونفسها، وعقائدها وتغريب إنسانها في أفكاره ومناهج تعليمه بل حتى في طراز عمارته وأسلوب حياته بل في طعامه وشرابه عن طريق انتشار المطاعم الغربية وكتابة الأسماء بغير اللغة العربية. . أي أ نهم يريدون باختصار "أمركة" كل شيء.

فالعولمة "هوية بلاهوية " تتجلى في ثلاثة رموز: سيادة اللغة الإنجليزية, والاتجاه نحو العالمية، وطبع العالم بمظاهر العالم الغربي.

وبذلك تقتحم المناطق بكل دعاماتها من دين، وتقاليد وأعراف محلية، وثقافات خاصة، التي هي محاور الكيان الإنساني والوجود البشري، ويقف وراء ذلك فكر شيطاني يريد أن يجعل من الأخلاق فوضى، ومن الفاحشة شيوعا وذيوعا.

وبذلك انتقل الصراع مع الغرب من السياسي والاقتصادي إلى الديني والثقافي والاجتماعي المتصل بالهوية والوجود، وهو ما يتطلب وعيا جديدا وأدوات جديدة.

فعقدت المؤتمرات والندوات ودعيت لها النساء لتشارك فيها باعتبار المرأة هي الأساس في ذلك، حيث أن عولمة المرأة تمثل الجانب الاجتماعي والثقافي في نظام العولمة الذي تسعى الأمم المتحدة وأمريكا إلى فرضه على بقية العالم خاصة العالم الإسلامي, وذلك لأن المسلمين يمثلون مليار وربع المليار نسمة، والعالم الإسلامي بإمكاناته وثرواته وأهله يهدد النظام العالمي الجديد بفقدان سيطرته عليه،ما بقي الإسلام حاكما للجوانب الاجتماعية والثقافية وللهوية.

وشارك في هذه المؤتمرات وجوه نسوية عربية يصدق عليهن قول الشاعر:

أقبلن يسألن الحضارة    ما يفيد وما يضير

ما السبل بينة ولا كل       الهداة بها بصير

هذه الوجوه تمثل انعكاسا للفكر الغربي النسوي، حيث تشعر تجاه المرأة الغربية بالنقص، وتشعر أن الالتحاق الفكري بها سوف يعوض هذا النقص لدينهن، كما يبلغ ا لنقص بهذه الوجوه حد الكراهية للدين الإسلامي ونظمه وقوانينه في المجتمع والأسرة، فهي وجوه تعاني حالات مرضية ولم يرفعها إلى مستوى الحديث عن المرأة إلا الخضوع للقوى الخارجية التي تحب أن يعبر عن أوضاع المرأة في العالم الإسلامي النسوة اللاتي يرددن الأفكار الغربية، ويبشرن بالأيدولوجية النسوية الجديدة.

لكن ماذا يتم في هذه المؤتمرات وبماذا تنادي؟

على سبيل المثال فمؤتمر كمؤتمر بكين فرض مصطلح النوع بدلا من الجنس, ورفض حقيقة أن اختلاف الذكر والأنثى من صنع الله عز وجل, ومن ثم الاعتراف رسميا بالشواذ والمخنثين والمطالبة بإدراج حقوقهم الانحرافية ضمن حقوق الإنسان، والمطالبة بحق المرأة والفتاة في التمتع بحرية جنسية آمنة مع من تشاء, وفي أي سن تشاء وليس بالضرورة في إطار الزواج الشرعي بل إن الوثيقة لم تستخدم في بنودها عبارة الزوج وإنما الشريك أو الزميل.

وترى وثيقة بكين أن المرأة العاملة هي المعتبرة، أما ربة الأسرة فينظر إليها باعتبارها متخلفة وخارج السياق الدولي الجديد لأنها لا تمارس عملا بمقابل.

والمثير أن تستخدم الوثيقة كلمة"المساواة" للتعبير عن إزالة الاختلافات بين الرجل والمرأة وتستخدم"التنمية" للتعبير عن الحرية الجنسية والانفلات الأخلاقي، وتستخدم "السلم" لمطالبة الحكومات بخفض نفقاتها العسكرية، وتحويل الإنفاق إلى خطط الأيدولوجية النسوية الجديدة، ويخفض النفقات العسكرية تسهل السيطرة ع لى هذه الدول بدون أدنى مقاومة حربية أو عسكرية.

ولا تكتفي الأمم المتحدة بذلك وإنما تعقد مؤتمرات دورية كل سنة أو سنتين للمتابعة والتأكد من التزام الحكومات بما وقعت عليه في هذا المؤتمر بحيث يمكنها فرض العقوبات وممارسة الإرهاب على الدول التي ترى الأمم المتحدة أنها غير ملتزمة، كما أنها تمارس الإغراء بمنح معونات أو قروض إذا التزمت بمقررات الشرعية الجديدة.

وبذلك يتضح لنا شيء من عملهم الدؤوب لتسديد  الضرب إلى الصميم للقضاء على الهوية الإسلامية، وعلى النظم الاجتماعية التي أثبتت أنها القلعة التي حمت العالم الإسلامي من السقوط والانهيار.

التوصيات:

لابد من التوعية بحقيقة العدو من يهود ونصارى وغيرهم وحقيقة ما يريدون وباستخدام جميع الطرق الممكنة كالكتابة عن خططهم وأهدافهم، ونشر الوقائع التاريخية التي تبين حقدهم الدفين للإسلام على مر الأزمان، (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم..الآية).[5] وقبل هذا وذاك تربية أبنائنا على معاداتهم، وتأصيل ذلك في نفوسهم باعتباره محور عقيدة الولاء والبراء لديهم.

لابد من تحصين الأفكار من الهجمات الدخيلة التي تسمم العقول, وتحرف السلوك، وتسيء إلى الدين وتقضي على الأصالة وتشكك في الولاء وصدق الانتماء وذلك بنشر العلم الصحيح.

تحصين الفرد المسلم حصانة عقلية من الفكر الوافد أو الذوبان فيه، والحفاظ على خصوصية المسلم في عقيدته الخالصة وشخصيته وذلك بالتربية السليمة.

إذكاء روح العزة وتأصيل الانتماء للإسلام {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون}.

ضرورة توعية الأمة بأهمية الإعلام، وصناعة البدائل الإسلامية في مجال الإعلام بمختلف فنونه وضروبه وألوانه.

تعلم العلم الشرعي ونشره إذ أنه أقوى سلاح يدمر العدو ويقطع عليه أهدافه.

ضرورة التوعية بأن الهزيمة النفسية من أ برز أسباب التخلف.

تحصين المجتمع بتعزيز عقائده وعباداته وعاداته حتى يتمكن من الوقوف ضد العولمة.

توعية المرأة بالوظيفة الحقيقية لها، وحكمة وجودها في ه ذه الحياة لعبادة الله وعمارة الأرض بذلك.

الاطلاع على ما كتبه الغرب والشرق عن مجتمعاتهم، وما أصبحوا ينادون به من هنا وهناك بعد أن ذاقوا مرارة التعاسة بسبب البعد عن الدين وإطلاق العنان للشهوات. 

قائمة بأسماء المصادر والمراجع

·أساليب العلمانيين في تغريب المرأة المسلمة للدكتور بشر البشر.  دار المسلم الطبعة الأولى 1415هـ 1994م.

·الإسلام واتجاه المرأة المسلمة المعاصرة للدكتور محمد البهي, دار الاعتصام.

·الأمومة في القرآن الكريم والسنة النبوية, لمحمد السيد محمد الزعبلاوي, مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى 1404هـ-1984م.

·التبرج وخطره لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله, المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات بسلطانة.

·   ثقافة المسلمة بناء وأداء للدكتور عبد الرحمن الزنيدي, دار الفضيلة الطبعة الأولى 1420هـ-1999م.

·  حراسة الفضيلة للشيخ بكر أبو زيد دار العاصمة للنشر والتوزيع.

· حقوق المرأة في الإسلام لكوثر محمد الميناوي, الطبعة الثانية 1414هـ-1993م.

·حقوق المرأة في الإسلام لمحمد بن عبد الله عرفة، مطبعة المدني، المؤسسة السعودية بالقاهرة, الطبعة الأولى 1398هـ-1978م.

· خطب الشيخ ابن حميد:  المرأة ودعوى التحرير، تاريخ 20-6-1417هـ، وتاريخ 9-3-1419هـ الإعلام والأمن الفكري تاريخ 15-9-1417هـ.

· صحف ومجلات جريدة الرياض, جريدة الشرق الأوسط جريدة المدينة, مجلة البيان الأعداد(149-150-151) مجلة اليمامة العدد(1372)مجلة الشقائق.

·عودة الحجاب, معركة الحجاب والسفور، لمحمد بن أحمد المقدم، دار طيبة للنشر والتوزيع, الرياض, الطبعة الثالثة.

·مخطط تدمير الإسلام وإبادة المسلمين في العصر الحديث، لنبيل المحيش، الطبعة الأولى 1412هـ-1991م، دار المنار بالخرج.

· المرأة بين تكريم الإسلام ودعاوى التحرير لمحمد العريني, الطبعة الثالثة، 1420هـ-2000م، المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات بسلطانة.

· المرأة في الإسلام لكمال أحمد عون الطبعة الثانية 1403هـ - 1983م, دار العلوم.

·  المرأة في الإسلام أمام التحديات لأحمد بن عبد العزيز الحصين، دار البخاري للنشر والتوزيع.

·     المرأة المسلمة في وجه التحديات لأنور الجندي, دار الاعتصام.

·المرأة وكيد ا لأعداء, للدكتور عبد الله وكيل الشيخ دار الوطن الطبعة الأولى1412هـ.

بسم الله الرحمن الرحيم

المحاضرة الثانية في ندوة (المرأة المسلمة والتحديات المعاصرة)

وعنوانها:  بعض آثار هذه التحديات بين حديث القرآن وحديث الواقع.

إن الحمد لله نحمده  ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده فلامضل له ومن يضلل فلاهادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد: فقد سمعنا فيما تقدم نماذج من التحديات التي تتعرض لها المجتمعات المسلمة في هذا العصر والأفكار التي تطرح مما يعد تلوثا فكريا خطير الأثر على مجتمعات المسلمين، ذلك أن الإنسان مجهز لاستقبال المؤثرات من حوله والانفعال بها والاستجابة لها، وهو مستعد بحسب تكوينه الذاتي للرقي والارتفاع، كما أنه مستعد كذلك لأن ينحط إلى أدنى من دركات الحيوان البهيم، يقول الله تعالى فيمن حادوا عن طريق الهدى وتنكبوا الصراط المستقيم {أولئك كالأنعام بل هم أضل} (الأعراف:179).

ومن العوامل المؤثرة في ارتفاعه أو هبوطه ما يتلقى من تربية وما يشيع في البيئة حوله من مؤثرات, وما يستغل فيه, ويوجه من غرائز واستعدادات.

ومن أخطر ما يواجهنا في هذا العصر هذه اللوثات الفكرية التي تشكك في الدين، وتهز الثوابت وتفسد الأخلاق وتنشر ا لرذيلة عبر وسائل في وقتنا الحاضر والتي أسيء استخدامها أيما إساءة.

وما الحديث عن المرأة قضية تثار هنا وهناك، والمطالبة بحريتها المزعومة وتنفيرها من أسباب الصيانة إلا أحد الأبواب الواسعة لإشاعة الرذيلة في المجتمع.

المرأة أمام التحديات

وإضعافه فالمرأة ثغر من ثغور الفضيلة, في حفظها حفظ للفضيلة وصيانة للنشء، وفي إفسادها إفساد وتضييع للمجتمع.

وإنه لما يؤسف له أن كثيرا من هذه الدعوات صار يحمل لواءها بعض أبناء المسلمين، وهذا نتيجة للغزو المبكر لبلاد المسلمين الذي سعى منذ البداية إلى تخريج جيل بعيد عن الدين، قد أشرب الولاء للغرب وقيمه وأنماط حياته وذلك عن طريق المدارس الأجنبية (التنصيرية) التي تفتح في بلاد المسلمين, جاء في تقرير إحدى اللجان التابعة للمؤتمر التبشيري الذي عقد عام 1910م:

(إن معاهد التعليم الثانوية التي أسسها الأوربيون كان لها تأثير على حل المسألة الشرقية يرجح  على تأثير العمل المشترك الذي قامت به دول أوربا كلها)[6].

وفي هذه المدارس تخرجت أجيال من أبناء المسلمين أو بالأحرى من متعلميهم ومثقفيهم متأثرة بضروب هذا الغزو المنظم, متطلعة إلى الأفق الغربي تستلهمه الرشد وترى فيه النموذج والمثل الأعلى وتتشرب في نهم أنماط حياته سلوكا وفكرا بلا فحص ولا بصيرة ولا رأي سديد) [7].

وإذا أضفنا إلى ذلك البعثات التي كانت تتقاطر على الدول الأوربية من أبناء المسلمين الذين يستكملون تعليمهم العالي كانت هذه نهاية المطاف في الإجهاز على بقايا الإسلام في نفوسهم وطباع الشرق وعاداته، حيث لا يرجعون في الغالب إلا وقد تأثروا بوجهة الغرب وفلسفته، وبذلك أصبحوا رصيدا في حساب أعداء الإسلام بالسلوك والتربية والعادات الجديدة.

وقاسم أمين أحد قواد تحرير المرأة في مصر هو نموذج لهذا الغزو، يقول د. عبد ا لستار فتح الله: (قاسم أمين كان نموذجا لما يمكن للغزو الفكري وللتعليم الأجنبي أن يفعلاه في النفوس مع خلع ولائها لأصلها، وفصل مشاعرها عن ظروف أمتها)[8].

والتعليم كان أحد أخطر ميادين الغزو الفكري وأعمقها أثرا، إلا أن ميادين الغزو الفكري تعددت بأسلحته المتنوعة(الفكرة والكلمة والرأي والحيلة والنظريات والشبهات وخلابة المنطق وبراعة العرض وشدة الجدل ولدادة الخصومة وتحريف الكلام عن مواضعه) [9]. والقصة والصورة والفيلم. ..

ولقد ترك هذا الغزو من الآثار السيئة في زعزعة المسلمين عن دينهم ما لم يستطعه الغزو العسكري على مدى قرون عديدة.

وقد قال سبحانه: {والفتنة أكبر من القتل} (البقرة:271) ومعنى الفتنة في الآية على ما نقل القرطبي عن الجمهور: (فتنة المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا)[10].

(وكان المشركون يفتنون المؤمنين عن دينهم بإلقاء الشبهات وبما علم من الإيذاء والتعذيب)[11].

ولهذا عقب تعالى على هذا بقاعدة تمثل قانونا من قوانين الصراع بين الإسلام والجاهلية على مر العصور فقال تعالى: {ولايزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} والقتال المذكور هنا عام يراد به ما وقع فعلا من أساليب المشركين في محاولة صد المسلمين عن دينهم بالتعذيب والإيذاء أو التضييق عليهم في أرزاقهم أو تشريدهم في البلاد أو ضربهم بالشبهات وأنواع التشكيك وما هو محقق الوقوع في الغد القريب من الحرب المسلحة التي شنها المشركون على المسلمين بعد نزول الآيات، ثم ما يشابه ذلك ويشاكله إلى يوم القيامة[12].

فهذه التحديات التي يجابه بها المسلمون في هذا العصر طرف من هذه المعركة التي تركت آثارا سيئة في بلاد المسلمين وسأقف هنا مع بعض الآثار البارزة لتلك التحديات:

*فقدان الهوية:

لكل أمة شخصيتها المميزة التي تنفرد بها عن غيرها، وهذه الشخصية تنبع من العقيدة التي تدين بها الأمة وما يتبع ذلك من خلق ومنهج وسلوك.

وكل أمة واعية تحرص على هذا التفرد وتنأى بنفسها عن أن تكون عرضة لفقد عناصر تميزها، وأن تصير تابعا ذليلا لغيرها.

والغزو الفكري وعملية التغريب هدفها أن تستسلم الأمة المسلمة للثقافة و الحضارة الغربية، فتذوب الشخصية المسلمة وتقبل الفناء والتلاشي في بوتقة أعدائها، (بحيث لا ترى إلا بالمنظور الغربي ولا تعجب إلا بما يعجب به الغرب، ولا تعتنق من الأفكار والمناهج إلا ما هو مستورد من الغرب، وتبتعد عن قيمها وعقائدها وأخلاقها  المستمدة من شريعة الإسلام وتعتنق هذه الديانة الجديدة التغريبية )[13].

والناظر إلى حال المجتمعات المسلمة يجد وللأسف أن عملية التغريب والغزو الفكري الموجه إلى المجتمعات المسلمة نجح إلى حد بعيد في محو ملامح تلك الشخصية والعبث بمقوماتها والناظر في حال المرأة المسلمة ـ خاصة ـ  مربية الأجيال وحصن الفضيلة يروعه(فقدان المرأة المسلمة لهويتها الإسلامية وتميز شخصيتها, وسحب قدر كبير من انتمائها لدينها)[14]. حتى ضمر الفارق في الاهتمامات والممارسات في كثير من بلاد المسلمين بين المرأة المسلمة والمرأة الغربية[15].ولو أردنا أن نعقد مقارنة بين الملامح البارزة لشخصية المرأة المسلمة في ضوء الضوابط الشرعية، وبين ما آل إليه حال المرأة المسلمة في كثير من بلاد المسلمين لهالنا الفرق وبعد الشقة بين المثال والواقع.

فشعار المرأة المسلمة الظاهر هو الحجاب بالصفة التي حددها الشرع يقول الله تعالى: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} (النور: 31).

وهذا أمر من الله تعالى لنساء المؤمنين أن يلقين بالخمار  إلقاء محكما على المواضع المكشوفة وهي الرأس والوجه والعنق والنحر والصدر, خلافا لما كان عليه نساء الجاهلية من سدل الخمار من ورائها وتكشف ما هو قدامها[16]. ونهانا تعالى ـ لكمال الاستتار- عن الضرب بالأرجل حتى لا يصوت ما عليها من حلي فتعلم زينتها بذلك فيكون سببا للفتنة بها. قال تعالى:  {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} (النور: 31).

ونهانا الله تعالى  عن التبرج فقال سبحانه: {ولاتبرجن تبرج الجاهلية الأولى} (الأحزاب:  33).

والتبرج يكون بأمور:

يكون التبرج بخلع الحجاب وإظهار المرأة شيئا من بدنها أمام الرجال الأجانب عنها.

ويكون التبرج بأن تبدي المرأة شيئا من زينتها المكتسبة.

ويكون التبرج بتثني المرأة في مشيتها وتبخترها وترفلها وتكسرها أمام الرجال.

ويكون التبرج بالضرب بالأرجل ليعلم ما تخفي من زينتها.

ويكون التبرج بالخضوع بالقول والملاينة بالكلام.

ويكون التبرج بالاختلاط بالرجال وملامسة أبدان الرجال، بالمصافحة والتزاحم في المراكب والممرات الضيقة ونحوها[17].

فهذا ا لتبرج مما نهى الله تعالى المسلمة عنه.

ونهى النبي r عن الخلوة والسفر بغير محرم: (لايخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم لها[18]).

(لايحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم لها)[19].

فما نصيب المرأة المسلمة من هذه الضوابط التي أوجبها الله تعالى عليها؟

إن أكثر النساء المسلمات بعيدات كل البعد عما شرع ا لله تعالى لها و أوجب عليها.

لقد صارت تخرج في كثير من بلاد المسلمين حاسرة بالرأس مكشوفة الصدر والساقين متزينة متعطرة متبرجة تخالط الرجال وتزاحمهم في كل مكان وميدان.

بل قد بلغ ببعضهن النأي عن أوامر الله سبحانه والإمعان في تقليد المرأة الغربية الكافرة حد العري على الشواطئ بلا حياء والأعتى من ذلك والأمر أن بعض النساء تفخر بهذه التبعية والانسلاخ عن أوامر الله وتعده تقدما ومدنية، تقول إحداهن ـ  وهي فتاة تركية- في بعض الموانئ الإنجليزية:

(إننا نعيش اليوم مثل نسائكم الإنجليزيات، نلبس أحدث الأزياء الأوربية، ونرقص وندخّن ونسافر وننتقل بغير أزواجنا)[20].

ومن لم تصل إلى هذه الدرجة ولايزال المكر بها في أول الطريق فقد تدخلت الموضة في  عباءتها وحجابها حتى أفقدتها غايتها من الستر والحشمة(وأصبحت العباءة رمزا لإبداء الزينة وإظهار الفتنة وإبراز المفاتن والمحاسن، فهناك تفنن في إدخال بعض النقوش والزخارف والتطريزات, وهناك شفافية في نوع القماش وظهور ألوان متعددة على جوانب العباءة وأطرافها وهكذا أصبحت العباءة رمزا للموضة والفتنة)[21].

وهذا التدرج في الإخلال بشروط الحجاب طريق إلى نزعه كما حدث في كثير من بلاد المسلمين حتى انسلخت المرأة عن دينها وفقدت هويتها الإسلامية.

سئل حذيفة رضي الله عنه (في يوم واحد تركت بنو إسرائيل دينهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه، وإذا نهوا عن شيء ركبوه حتى انسلخوا عن دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه) [22].

إن الحجاب جاء سترا وشعارا للمرأة المسلمة, وهو أوضح مظاهر الطاعة والتسليم لأمر الله تعالى ورسوله r.

عن أ م المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا لكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهن فيها. ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته على كل ذي قرابة، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها[23] المرحل فاعتجرت[24] به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه فأصبحن وراء رسول الله r معتجرات كأن على رؤوسهن من الغربان[25].

وعنها رضي الله عنها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} شققن أكثف مروطهن فاختمرن به[26].

هذا حال المسلمات الأول, أما اليوم فقد وصلت كثير من المسلمات إلى حال يرثى لها في فقد الصلة بدينها فلم يعد هو الموجه لما تمارسه بل إنها تتلقف كل ما يأتيها من الغرب الكافر, وكأن ليس لها مرجع ترد إليه أمورها، وإليك هذه الصورة المزرية من التقليد الأعمى وفقدان الهوية.

نشرت مجلة الأسرة عدد81 ذو الحجة 1420هـ ما يلي:

لفيف من البنات دخلن قاعة المحاضرات يوم 14فبراير وقد ارتدت كل واحدة منهن ثوبا أحمر وألصقت على وجهها رسوما لقلوب حمراء بعد أن وضعت مساحيق التجميل الحمراء على وجهها وبدأن يتبادلن الهدايا ذات اللون الأحمر مع القبلات الحارة، هذا ماحدث في أكثر من جامعة في بلد إسلامي بل وفي جامعات إسلامية احتفالا بعيد الحب، أو بالأحرى عيد ا لقديس فالنتاين.  أهـ.

إن التقليد وفي هذه الأمور فضلا عن تحريمه فهو صورة للتبعية الذليلة التي ينبغي أن يرغب عنها.

وملامح التبعية في أقطار كثيرة من أقطار المسلمين واضح جلي سواء في ملايين المسلمات الكاسيات العاريات ومحترفات اللهو والمجون والألوف المؤلفة الذين يعبون عبا من فكر الحضارة المادية الملحدة ويستقون من مستنقعات ثقافتها وتصوراتها ثم يقذفون بها أمتهم في كل ميدان[27].  

(وإذا كانت الأمم ت حرص على استقلالها الفكري والاجتماعي بدافع من العزة القومية أو الكرامة الوطنية أو غيرهما فإن ا لمسألة عندنا تختلف تماما لأن استقلالنا في هذه الأمور هو قضية عقيدة ودين، ومسألة وجود ومصير ومسؤولية رسالة ودعوة، وضرورة بعث وإنقاذ لأنفسنا وللعالمين، ثم هي مهمة قيادة وهداية، وتمكين لخط الوعي المشرق، وتمييز له عن المناهج والنماذج البشرية التي سيطرت على الأرض وملأتها ضلالا وإلحادا وعنادا.

وهذا كله يأبى علينا التبعية كل الإباء، بل إن التبعية هنا تصبح خيانة لرسالتنا وجناية على أمتنا, وشرودا بالقافلة البشرية عن طريق ربها الواحد القهار) [28].

*الفراغ الفكري والروحي والإغراق في التوافه:

اعتني الإسلام بما يقود النفوس إلى الخير ويعمل على  تزكيتها من العلم النافع والأدب الحسن, يقول الشيخ السعدي في قول الله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ) (التحريم:6):  (وقاية الأهل والأولاد بتأديبهم وتعليمهم وإجبارهم على أمر الله )[29].

وجعل النبي r العلم فريضة على كل مسلم[30].

وأرشد إلى فضيلة تعليم المرأة:  (أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها وأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران)[31].

وخص النساء بالحديث، جاءت امرأة إلى رسول الله r فقالت يارسول الله:  ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه، تعلمنا مما علمك الله, فقال r: "اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا" فاجتمعن فأتاهن فعلمهن مما علمه الله[32].

وفي هذا الجو حرصت النساء المسلمات على التفقه في الدين, عن أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) [33].

ولاشك أن تربية المرأة هو مجال إصلاح الأسرة وإنشاء جيل صالح، ولذا حرص الإسلام على تعليمها وتأديبها لما لها من دور عظيم في بناء الأسرة, إلا أن المرأة في ظل هذه الدعوات الفاسدة والإعلام الموجه للمرأة أبعدت كثيرا عن أ ن تكون محضنا صالحا للأجيال، حيث مارست هذه ا لوسائل تهميشا واضحا لفكر المرأة وتعاملت معها على إنها جسد وحسب، سيل من البرامج الترفيهية التافهة وصفحات تعج بالغث من الموضوعات التي تحصر اهتمامات المرأة بالشكل والجمال وكيفية جذب الأنظار إليها[34].

(وهذا كله جعل المرأة نفسها تعيش خواء فكريا وفراغا روحيا وخلطا عجيبا بين الغايات والوسائل)[35].

(ففي الوقت الذي يتبلور المفهوم الإسلامي المعتدل للجمال على أنه وسيلة تأخذ منه المراة قدرا معينا تحقق به أنوثتها، يزرع الإعلام في حس المرأة أن الجمال المظهري غاية تستحق أن تبدد المرأة جهدها ووقتها ومالها لأجله[36].

وفي حين تجد النماذج الحرية بالأسوة من أ زواج رسول الله r أمهات المؤمنين كان لها قصب السبق في العلم و العمل, فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عالمة عاملة.

عن أبي موسى قال:  ما أشكل علينا أصحاب محمد r حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما[37].

وعن عروة قال: لقد صحبت عائشة فما رأيت أحدا قط كان أعلم بآية أنزلت، ولا بفريضة ولا بسنة ولا بشعر ولا بقضاء ولا طب منها[38].

وتقول عائشة  عن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنهما لم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله، وأصدق حديثا وأوصل للرحم، وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي يتصدق به ويتقرب إلى الله عز و جل [39].

إلا أن المرأة المسلمة في وقتنا الحاضر قدم لها نماذج للأسوة الفارغون والفارغات بل في أحيان كثيرة الساقطون والساقطات من أعلام الفن ورائدات السفور.

ولذا صار من المألوف في هذا الوقت أن تجدي المرأة والفتاة ـ خاصة- تعرف من أسماء ماركات الأزياء العالمية وأسماء الفنانين والفنانات بل تفاصيل حياتهم الخاصة الشيء الكثير، لكن لو سئلت عن بعض أحكام الطهارة والصلاة لوجدت جهلا فاضحا، فضلا عن أن تعرف سير الصحابيات ومعالم منهجهن.

*ولايقتصر هذا الفراغ والخواء على الفتيات بل يشمل الشباب من الجنسين.

وفي بحث قامت به مجلة الأسرةع83 صفر 1421هـ عن طريق استبانة وزعت على 1000 شاب وفتاة من طلاب الجامعات في الرياض والدمام وجدة حول ما هو معلوم بالضرورة من الدين والجغرافيا والتاريخ والأدب والفن والرياضة كانت أعلى نسبة معدل الإجابات الصحيحة للفن وهي 88% ثم الرياضة 87% وفي أدنى القائمة كانت الثقافة الإسلامية فالتاريخ بنسبة 58% للثقافة الإسلامية و57% للتاريخ.

وأشارت المجلة في العدد نفسه إلى استطلاع قامت به صحيفة الرأي العام الكويتية على 100طالب وطالبة من كليات مختلفة عرضت عليهم قائمة تضم 32 اسما لشخصيات وأحداث عامة كانت الشخصية الوحيدة التي عرفها الجميع ولم يخطئ فيها أحد هي مطربة إماراتية تدعى (أحلام).

وهذا الخواء وتفاهة الاهتمامات للأسرة دور فيه ويدل على مدى قصور المرأة علميا ودينيا عن الوفاء بتوجيه ا لأبناء إلى ما يدلهم على الخير ويرفعهم فكريا وروحيا.

حتى يكاد ينطبق على كثير من أبناء المسلمين اليوم قوله تعالى: {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} (الروم: 7) ولاشك أن كثيرا من انحرافات ومشكلات الشباب والفتيات تتصل بهذا الجانب وتنبع منه، فافتقاد العلم النافع، والموعظة التي توقظ  القلوب والتوجيه إلى النماذج الحرية بالاقتداء يفرغ معه القلب عما يعين على الخير.

* الجرأة على الدين:

أصل الدين يقوم على تعظيم الله وتعظيم رسوله r والتسليم لحكم الله وحكم رسوله، يقول الله تعالى: (وماكان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أ مرهم ) (الأحزاب:  36).

يقول ابن كثير: (فهذه الآية عامة في جميع الأمور, وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد ههنا، ولا رأي ولا قول, كما قال تعالى:  {فلاوربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} ( النساء:  65)[40].

لكن في هذا العصر اقتحم كثير من الناس هذا السياج وتعدوا على هذه القاعدة، والسمة البارزة الكثير من الكتابات والأقوال التي تتناول موضوع المرأة, السمة البارزة لها ا لجرأة على النصوص والتطاول على أحكام الله تعالى وسنة رسوله r والاستخفاف بالدين  والقيم هذه حال كثير ممن يسمون المتنورين (المستغربين) الذين تتلمذوا على الفكر الغربي وعبوا من مناهجه وأصوله).

ولولا الحاجة من جهة إلى معرفة الخطر الذي يتهدد المجتمعات المسلمة ـ وفئة الناشئة خاصة- من مثل هذا النهج.

ثم من جهة أخرى تلمس ما أ حدثه التغريب في أبناء المسلمين لكنت أربأ  عن نقل أقوالهم لما فيها من جرأة صارخة على الدين واستهانة برموزه.

فهذا باحث مغربي يدعى(عبد الصمد الديمالي) يقول في مؤتمر نسوي عقد في اليمن وأشارت لما ورد في هذا المؤتمر مجلة الأسرة ع81ذو الحجة 1420هـ.

إن الدين ظلم المرأة حينما لم يسوّ صراحة بينها وبين الرجل ! ويقول بكل صفاقة ما نصه: (إذا لم تكن النصوص القرآنية صريحة وواضحة في المساواة بين الرجل والمرأة فلنلق بها في مزبلة الإيديولوجية).

واختتم ورقته التي أثارت غضب المسلمين في اليمن بالدعوة صراحة إلى الحرية الجنسية عن نظام الأسرة التي وصفها بأنها نظام برجوازي.  أهـ.

وتتضح علة هذا الرجل عندما ننظر إلى الثقافة التي استقاها حيث يقول عن نفسه: إنني شخصيا وحينما كنت في الثالثة والعشرين من عمري تأثرت كل التأثر بكتاب (الحرية الجنسية) لرايشين الذي يهاجم نظام الأسرة.  أهـ.

وطالبت نوال السعداوي في مؤتمر صحفي عقدته ودعت إليه الوكالات الغربية العاملة في مصر وحدها مطلع هذا العام طالبت ( بتشريعات نسوية علمانية لا يكون لله فيها أي سلطان أو حق على حد تعبيرها)[41].

وسبحان الله ما أحلمه على خلقه.

وينقل عبد السلام بسيوني في كتابه ماذا يريدون من المرأة عن إحداهن مناقشتها ربها ـ عزوجل- ورد  أحكامه ودفعها لآراء الفقهاء الذين عمقوا ـ كما تقول- منطلقين من تركيبها البيولوجي, وينقل عنها قولها: لا أ فهم ـ كامرأة- علاقة الحيض والإنجاب أو عدمه بتخصيص أو عدم تخصيص جنس دون آخر بالرسالات والتنبؤات، وقيادة الحروب، ولا سبب نقصان الثواب[42].

وللمزيد من هذه الأقوال الفجة يراجع ما نقله البسيوني عن أمثال هؤلاء, وكذلك ما نقله المقدم في عودة الحجاب و غيرها.

وهؤلاء المتطاولون الناقمون على الدين وأهله هم ثمرة من ثمار التغريب, وحملات التشكيك و الهجوم على الدين وأحكامه وهذه السموم والأقوال التي يبثونها في الصحف والندوات والمنابر الإعلامية المختلفة لها أثرها السيئ الظاهر في المجتمعات الإسلامية.

والتي جعلتنا نرى أكثر الناس يسلم بكلام الطبيب والفيزيائي وغيرهم كل في مجاله، أما أحكام الشرع وأحاديث الرسول فتناقش وترد ويتطاول عليها.

* ضعف عقيدة الولاء والبراء:

الحب في الله و البغض في الله هو أوثق عرى الإيمان كما بين النبي r لأبي ذر حيث قال: يا أبا ذر أي عرى الإيمان أوثق؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: الموالاة في الله والحب في الله والبغض في الله[43].

هذه الشعيرة التي لها هذا القدر العظيم في ميزان الإيمان ذابت ملامحها في حسن كثير من المسلمين في هذا الوقت وسأعرض هنا لمظاهر بارزة من ذلك عبر النقاط التالية:

أ- هذا التمجيد للنموذج الغربي وعرضه عرضا مغريا عبر وسائل الإعلام المختلفة قربه إلى النفوس وكسر حاجز الشعور بفوارق العقيدة وعداوة الكفار.

وتقول د. زينب حسن أستاذة الاجتماع بكلية البنات بجامعة  عين شمس وهي تتحدث عن أثر السينما في مصر في فترة الاحتلال الإنجليزي( من ناحية فقد سعت إلى كسر حاجز الرفض الشعبي ضد الاحتلال الإنجليزي وضد الدول ذات المطامع الاستعمارية الأخرى مثل  فرنسا وأمريكا وبناء علاقة أخرى تقوم على أساس القبول والإعجاب, وهي علاقة كانت تجد رفضا من قبل بعض المشتغلين بالسياسة باعتبار أن هذا القبول يعد نوعا من التطبيع مع المستعمر وبذلك أفادت السينما هذه الدول الاستعمارية فيكفي أن يحب الجمهور ممثلة إنجليزية أو ممثلا فرنسيا لتنكسر حدة العداء المستحكم بينه وبين هذه الدول)[44].

هذه وسيلة واحدة أثرت هذا الأثر في فترة احتلال فما بالك بأنواع الوسائل المبثوثة في هذا الوقت؟

ب- من آثار هذا التمجيد والفرض للنموذج الغربي مع عقدة النقص التي يستشعرها المغلوب دائما دفعا للتقليد والمشابهة فالمغلوب (مولع أبدا بالاقتداء بالغالب) كما يقول ابن خلدون.

ومعلوم أن المشابهة تورث التقارب والمودة، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: المشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضا مناسبة وائتلافا وإن بعد المكان والزمان[45].

ويقول المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن[46].

ج- ربط قضية المرأة بالمرأة فيما يمكن أن يسمى قومية نسائية لا تفرق بين يهودية ولا نصرانية ولا وثنية, فلا عجب أن نجد امرأة مسلمة ممن تولين إدارة تحرير مجلة سيدتي في فترة مضت تجري مقابلة مع الهندوسية أنديرا غاندي في إجلال وإعظام، وتذكر أنها سعت لهذه المقابلة العظيمة شهورا حتى قابلتها، وتقول هذه الدكتورة المسلمة: (بدأ اختيار مدخل الحديث عن السيدة أنديرا غاندي أمرا محيرا وليس سهلا)[47].

كل هذا الإعظام لهندوسية تعبد البقر وقتلت آلافا مؤلفة من المسلمين لكن ليست هذه قضيتهم, جل ما يعنيهم أنها رئيسة وزراء (امرأة).

*الانحلال الأخلاقي:

يقول الله تعالى: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} (النساء).

العفة وطهارة المجتمع يمزقهما الاختلاط و السفور وهذا أمر ظاهر في حياة المجتمعات، فمنهج الله تعالى حفظ المجتمع من الانحلال والفساد الأخلاقي، ومنهج دعاة التحرير هدم للأخلاق والأعراض.

يقول محمد فريد وجدي:  إن دعوة قاسم أمين قد أحدثت تدهورا مريعا في الآداب العامة، وأحدثت انتشارا مفزعا لمبدأ العزوبة، وأصبحت المحاكم غاصة بقضايا الأعراض وهربت الشابات من دور أهلهن[48].

ولو نظرنا إلى حال المجتمعات الغربية التي هي النموذج الأعلى للمستغربين والتي يسعون سعيا حثيثا إلى أن تحذو المرأة المسلمة حذو نسائها لوجدنا فسادا أخلاقيا مريعا وهذه نظرة عجلى على بعض شواهد ذلك من واقع تلك المجتمعات عبر بعض الإحصائيات والدراسات المنشورة عن أحوال تلك المجتمعات صادرة عن مؤسسات عالمية أوجهات محلية في تلك البلاد وهي بهذا تكتسب قيمة خاصة لأنها تنبع من معاناة هؤلاء القوم أنفسهم وليست انطباعات من يخالفهم في الاعتقاد والمنهج.

* هناك دراسة علمية أجراها باحثان أمريكيان حول المجتمع الأمريكي وشملت الدراسة عينة كبيرة من المواطنين الأمريكيين الذين شاركوا بآرائهم في القضايا المطروحة للدراسة ونشر الكتاب عام 1991م تحت عنوان:  يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة.

للمؤلفين جيمس باترسون وبتركيم, ونقله إلى العربية د. محمد البشر.

ورد في هذا الكتاب حقائق خطيرة عن و اقع هذا المجتمع ومن ذلك مشكلة الاغتصاب المنتشرة هناك، فقد ذكر الكاتبان ما نصه:  20% من النساء اللاتي تحدثنا معهن أخبرننا بأنهن قد اغتصبن في لقاء مع أحد أصدقائهن. وعندما نتصور هذا الرقم على المستوى الوطني فإن هذه النسبة تعني أن ما يقارب من تسعة عشر مليونا من النساء في أنحاء الولايات المتحدة كن ضحايا لمشكلة الاغتصاب.

ويشير الكاتبان إلى أن الإحصاء الرسمي لا يعبر عن حجم المشكلة لأن 3% من ضحايا الاغتصاب يبلغن الشرطة ويسجل الحادث رسميا وفق ما و رد في دراسة اجتماعية قامت بها إحدى الجامعات الأمريكيات.

وفي إيطاليا كشف تقرير حديث صدر هناك وأشارت إليه مجلة الأسرة في ع7 محرم 1420هـ أن 40% من نساء إيطاليا من أعمار 14 إلى 59 عاما هن ضحايا الاغتصاب.

وتوصل التقرير إلى أن 14 مليون امرأة في إيطاليا يخشين السير بغير رفقة في الشوارع المظلمة أو في الأماكن المهجورة في أي وقت من أوقات النهار، وأن عمليات الاغتصاب تجري في المنازل والشوارع وأماكن العمل بلا تمييز وأن كثيرا من عمليات الاغتصاب تمر دون الإبلاغ عنها.

وفي جنوب أفريقيا ذكرت صحافية جنوب إفريقية أنه في كل نصف دقيقة تغتصب امرأة في ذلك البلد.

وتقدر الجهات الأمنية عدد حالات الاغتصاب التي يتم الإبلاغ عنها بأنه لا يتجاوز 2.8% من إجمالي حالات الاغتصاب التي تحدث بالفعل في جنوب أفريقيا مما يرفع العدد الإجمالي للنساء المغتصبات كل سنة إلى أكثر من مليون امرأة.

نشرت ذلك مجلة الأٍسرة ع73 ربيع الآخر 1420هـ

أما عن المضايقات غير الأخلاقية:

فقد ذكرت التقارير أن 42% من النساء الأمريكيات يتعرضن لتحرشات غير أخلاقية في أماكن العمل والدراسة والمنتديات وفي الشوارع.

أما في بريطانيا فالنسبة 47%.

وفي  ألمانيا اضطرت 6% من النساء الألمانيات سنة 1990 م إلى هجر وظائفهن بسبب تطاول زملائهن عليهن و التحرش بهن جنسيا.

ممن نشر ذلك مجلة الأسرة ع80 ذو القعدة 1420هـ

ونشرت جريدة الرياض في عدد الجمعة 29 صفر 1421هـ خبرا حول تفاقم مشكلة التحرش بالنساء في اليابان والذي بلغ درجة القتل، وعن القضية أثيرت بقوة بعد مقتل فتاتين من قبل صديقين سابقين أصرّا على ملاحقة الفتاتين، وقالت: هيرومي شيراهاما خبيرة القضايا القانونية في الحزب الديمقراطي: إن حوادث التحرش تكاثرت جدا في السنوات الأخيرة, وبات من الضروري وضع قانون وطني لمكافحتها. أهـ.

وجاء في الخبر أن التحرش في القطارات متفاقم إلى درجة أن المسؤولين في شركة القطارات الأرضية يفكرون بتخصيص عربات خاصة بالنساء.  أهـ

وسبحان الله صيانة المرأة وإبعادها عن أن تكون موطن فتنة أمر شرعه الله العالم بطبيعة النفوس، وهاهو الواقع يضطرهم إلى إبعادها عن مخالطة الرجال.

هذا حال المجتمعات المتحللة، والعاقل يبدأ من حيث انتهى الآخرون.

*انقلاب قائمة الأولويات عند المرأة:

هذه الدعوات التي لا تقيم وزنا لدور المرأة العظيم في المنزل وزوجة ومربية أجيال أثرت في حس المرأة و قلصت من اهتمامها بذلك ولم تعد رسالتها الأولى ـ لها  الأولوية في حياتها- وصارت تبحث عن نفسها  كما يقولون- خارج المنزل وتلقي بكثير من مسؤوليات المنزل على عاملة مستقدمة غير مؤهلة لهذه المهمة بل قد تكون سببا لإفساد الأسرة والأولاد.

والتهاون بهذا الدور ـ  دور المرأة داخل المنزل- أثر واضح لهذه ا لدعوات التي صورت البيت على أنه سجن ظلمت المرأة بقرارها فيه وبقاؤها فيه تعطيل لنفعها فهي عضو غير منتج فيه، وغاب عن شعور الكثيرات عظم هذا الدور في حياة المجتمعات، ثم عظم الأجر الذي تناله المرأة بالإحسان في هذا الجانب.

أتت أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله عنها النبيَّ r فقالت: إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين كلهن يقلن بقولي, وعلى مثل رأيي: إن الله تعالى بعثك إلى الرجال والنساء فآمنا بك واتبعناك ونحن معاشر الأنصار مقصورات مخدرات قواعد بيوت، وإن الرجال فضّلوا بالجمعات وشهود الجنائز والجهاد وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم  أموالهم وربينا لهم أولادهم، أفنشاركهم الأجر يارسول الله؟ فالتفت رسول الله r إلى أصحابه فقال: "هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالا عن دينها"؟ فقالوا:  بلى يارسول الله. فقال r: "انصرفي يا أسماء وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها لمرضاته واتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرت للرجال"[49].

ولن أطيل حول هذه النقطة فسيأتي لها مزيد بيان في الحديث عن مفهومات خاطئة حول عمل المرأة ضمن محاضرات الأسبوع.

هذا ما تأتي الإشارة إليه من آثار هذه الهجمة الشرسة على المرأة المسلمة والمجتمع المسلم في هذا الزمن.  وهذا الحديث محاولة لتلمس جوانب الداء, لندرك الأثر السيئ لمثل هذه الدعوات فنسعى للنأي بمجتمعنا عن تلك المنزلقات.

والله أسأل أن يحفظ علينا ـ في بلدنا هذا خاصة في بلاد المسلمين عامة- ديننا وأمننا وعفافنا إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 


[1] - صحيح مسلم (6897)

[2] - رواه البخاري  في صحيحه في كتاب الجهاد روقمه(2844) .

[3] - سورة النور الآية 30

[4] - سورة التوبة الآية 32

[5] - سورة البقرة الآية 120

[6] - الغزو الفكري –د.عبد الستار فتح الله ص199

[7] - المرجع ا لسابق ص201

[8] - المرجع السابق ص220

[9] - الغزو الفكري ص179

[10] - تفسير القرطبي 3/46

[11] - المنار 2/316

[12] - الغزو الفكري ص183

[13] - أساليب العلمانيين في تغريب المرأة المسلمة . بشر البشر ص11

[14] - البيان ع149 محرم 1421هـ ص79

[15] - البيان ع149 محرم 1421هـ ص79

[16] - انظر تفسير ابن كثير 6/46 وحراسة الفضيلة ص61

[17] - حراسة الفضيلة ص105

[18] - متفق عليه .

[19] - متفق عليه .

[20] - عن عودة الحجاب ص208

[21] - المرأة الإسفنجية ص84-85 باختصار .

[22] - نقله المقدم في عودة الحجاب عن حلية الأولياء.

[23] - المرط: كساء.

[24] - الاعتجار : أن تلف الكساء على الرأس ويرد طرفه على الوجه .

[25] - رواه أبو داود 4100

[26] - رواه أبو داود 4102

[27] - انظر الغزو الفكري ص272

[28] - المرجع ا لسابق ص270 باختصار يسير.

[29] - تفسير السعدي ص809

[30] - في حديث رواه ابن ماجة.

[31] - متفق عليه.

[32] - رواه البخاري  .

[33] - رواه البخاري .

[34] - انظر البيان ع149 ص79

[35] -المرجع السابق.

[36] - المرجع ا لسابق .

[37] - الترمذي عن سير أعلام النبلاء 2/179

[38] - أبو نعيم في الحلية عن سير أعلام النبلاء 2/183

[39] - رواه مسلم

[40] - تفسير ابن كثير 6/423

[41] - البيان ع149ص60

[42] - ماذا يريدون ص21والقائلة هي سلوى خماش.

[43] - حسن بشواهده كما نقل المقدم في عودة الحجاب من محقق شرح السنة للبغوي .

[44] - الأسرة ع72 ربيع الأول 1420هـ

[45] - اقتضاء الصراط المستقيم ص220

[46] - المرجع ا لسابق ص221

[47] - عن المرأة المسلمة أمام التحديات ص322-323

[48] - عن المرأة المسلمة أمام التحديات ص294

[49] - رواه أحمد وصحح إسناده الألباني.

الاسم  
البريد الإلكتروني(لن يتم نشره)  
الدولة  
 

الاسم  
البريد الإلكتروني  
الدولة  

التعليقات
ابو البراء المملكة العربية السعودية 2008/24/01

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اشكركي اختي على هذا المقال الرائع واسال الله ان يجعله في موازين اعمالك ياليت يعرض موضوع يبين اين دور الداعيات السعوديات في وسائل الاعلام المختلفة فكثير منا يلاحظ ان المرأةالتي تشارك في وسائل الاعلام هم من يطالبون بتحرير المرأة في السعودية لذاومن يشاهد هذه الوسائل يتوقع ان السعوديات جميعم او اغلبهم يحبو ذلك كلاختلاط او قيادة المرأة للسيارة او ؟؟؟؟الى غير ذلك فاين دور الداعيات من اظهار صوتهم برفض هذه الامور سواء في الجرائد او بعض القنوات الفضائية وشكرا


الموقع العام | الملتقى الفقهى | رسالة المرأة | موقع الطفل | English Website for Muslims | English Website for Non Muslims | Español | Francais | موقع الصينية