` انهيار الأسرة في أمريكا.. أمومة بلا زواج


انهيار الأسرة في أمريكا.. أمومة بلا زواج

تصدر إلى مجتمعاتنا العربية والإسلامية دعوات عالمية، غربية الصنع، محلية التعليب في بعض الأحيان، تنادي بحقوق المرأة وحريتها، ولكنها تنظر إليها بعين النزعة الفردية، ولا تلقي بالا لـ"الأسرة"، بل كيرا ما تعتبرها شكلا اختياريا، وربما قديما تجاوزته الأيام.

والسؤال الملّح: هل أدى تحرير المرأة من الأسرة في المجتمعات الغربية إلى سعادتها ونجاحها؟، وهل أنتج مجتمعا أفضل.. أكثر أمانا وقوة؟، هل أثمر القفز على الفطرة والاستهانة بها أطفالا سعداء؟، وهل أدى تدمير العفة والاستهزاء بها إلى التحرر من الكبت، كما يزعم الزاعمون؟

في هذا التقرير إشارات من قلب المجتمع الأمريكي، ورصد لأحدث إحصائياته التي تنذر بانهيار الأسرة، وتحذر من أجيال قادمة تحيط بها التعاسة.

أمومة بلا زواج

الإنجاب بلا زواج.. اعتاد الأمريكيون سابقا أن يطلقوا عليه " غير شرعي"، ولكنه الآن أصبح الوضع الطبيعي الجديد، فقد أدى الارتفاع المطرد لمعدلاته في الولايات المتحدة الأمريكية على مدار 50 عاما، إلى أن تخطى هذا الأمر عتبة "الظاهرة"، وأصبح وضعا اعتياديا، فالإحصائيات تشير إلى أن ما يزيد على نصف المواليد للأمريكيات دون سن الثلاثين يأتون خارج إطار الزواج.

والمثير في هذه الإحصائيات أنها تظهر مدى تغلغل هذا الوضع وانتشاره في المجتمع الأمريكي، ففي السابق كان الإنجاب بلا زواج منتشرا إلى حد كبير بين الطبقات الفقيرة، وفي صفوف بعض الأقليات، ولكنه اليوم أصبح أمرا مستقرا في الطبقة المتوسطة.

 وتظهر الأرقام التسارع الهائل لمعدل انتشار "الأمومة دون زواج" على مدار العقدين الماضيين في صفوف النساء البيض في العشرينات من أعمارهن، واللاتي حصلن على قسط من التعليم الجامعي دون إتمامه.

تحول شكل الأسرة

وحللت مجموعة ( تشايلد تريندس) البحثية المستقلة، نتائج المركز الوطني للإحصاءات الصحية، والتي تظهر أن 59% من الأمريكيات عام 2009– من مختلف الأعمار- أنجبن بعد الزواج، وترتفع النسبة بشكل حاد بين النساء الأصغر سنا، فقرابة ثلثي الأطفال لأمهات أصغر من 30 عاما يولدون خارج إطار الزواج، وهو ما اعتبرته المجموعة "رمزا لتحول الأسرة"، و"علامة على التغيرات في الأجيال القادمة".

وتظهر البيانات أن مجموعة واحدة لا زالت تقاوم هذا الاتجاه بشكل كبير: وهي خريجات الكليات، فأغلبيتهن الساحقة لا ينجبن إلا بعد الزواج، وهو ما يعني تحول في هيكل الأسر، وإيجاد فجوة طبقية جديدة، فالأطفال داخل الأسر سيحظون بمستوى مرتفع، نظرا لتعليم الأم الجامعي، وما يوفره من فرص عمل جيدة، بالإضافة إلى المكافآت الاقتصادية، والاجتماعية التي يحصل عليها المتزوجون.

الزواج ترف

وتقع معظم الولادات خارج الزواج بين شريكين يعيشان معا، وينتشر هذا الشكل من العلاقة في الولايات المتحدة حيث تفوق نسبته ضعف نسبة الزواج، مما يشير إلى أنه يحل محله، وقال عالم الاجتماع في جامعة بنسلفانيا "فرانك فرستينبرج":" إن الزواج أصبح ترفا".

والتقت صحيفة (ذا بوليتن) الأمريكية بعشرات الأشخاص من مدينة "لورين" غرب كليفلاند، والتي اشتهرت بالأسر الطبيعية، وارتفاع معدلات الزواج سابقا، لاستعراض آرائهم حول انخفاض نسب الزواج.

وقال كثير من سكان المدينة أن العيش المشترك بين الرجل والمرأة بلا زواج أصبح "روتين" وعادة، وفقدت "الأمومة العزباء" وصمة العار التي كانت تلحقها، والتي كانت تدفع الناس في الماضي إلى الهروع إلى المذبح، والارتباط بالزواج، وأصبح أغلب النساء يصفن الزواج بأنه "نهاية المطاف"، وليس "وسيلة الوصول".

وعبرت أم عازبة تدعى "تيريزا فراجوسو" عن تأثير الاستقلال المادي على العزوف عن الزواج، وقالت: " كانت المرأة تعتمد على الرجال، ولكننا لسنا بحاجة إلى ذلك بعد الآن، إننا نعتمد على أنفسنا، ونكفل أطفالنا".

وأرجعت بعض الأمهات غير المتزوجات سبب عزوفهن عن الزواج إلى أن فشل زيجات والديهم، ومنهن "بريتني كيد"التي قالت أن والدها هرب من المنزل عندما كان عمرها 13 عاما، مما دفع بوالدتها نحو الاكتئاب، وجعل الأسرة غير مستقرة ماليا.

وأضافت:" كانت أسرتي تبدو مثالية جدا، منزل لطيف، وسيارتين، وكلب وقطة، ولكن هذا كله لم يدم، بل تحطم تماما".

وأردفت "كيد"، 21 عاما، أنها لا تستطيع تخيل الزواج من والد ابنها، رغم أنها تحبه، وقالت:" أنا لا أريد أن اضطر إلى الاعتماد على شخص آخر.. لا أريد أن أنتهي مثل والدتي".

وقال عالم الاجتماع في جامعة "جونز هوبكنز" "أندرو شيرلين" إن حياة العائلة لم يعد ينظر إليها في إطار لعب الأدوار الاجتماعية كأب أو زوج أو زوجة، وإنما ينظر إليها كوسيلة للارتياح الفردي، والتنمية الذاتية.

انفلات أخلاقي وضعف اقتصادي

ويرجع المحللون الليبراليون الارتفاع المتزايد للإنجاب بلا زواج إلى تقلص الرواتب، والذي خفَض نسبة الرجال القادرين على الزواج، ولكن المحافظين لهم رأي آخر، ويؤكدون على أن "الانفلات الجنسي" هو الذي يضعف الرغبة في الزواج.

وعلق عشرات الأشخاص على آراء المحللين من الليبراليين والمحافظين، مؤكدين على أن كلاهما على حق، وكلا السببين المالي والأخلاقي ساهما في انخفاض معدلات الزواج.

وشهد مستوى الدخل بين الرجال في "لورين" تراجعا كبيرا، وأثر على غير المتخرجين من الجامعات بشكل أكبر، حيث انخفض الدخل بنسبة 8% على مدار ثلاثين عاما.

الاختلافات العرقية والثقافية

ورغم زيادة نسبة المواليد خارج إطار الزواج بشكل عام، إلا أنها تتفاوت باختلاف عوامل عرقية، واجتماعية.

ويولد 73% من الأطفال السود خارج نطاق الزواج، مقارنة مع 53% من اللاتينيين، و29% من البيض، أما الفروق التعليمية والثقافية فواضحة أيضا، حيث تتزوج 92% من خريجات الكليات قبل الولادة، مقارنة بـ62% من النساء مع بعض التعليم بعد الثانوي، و42% من حاملات الشهادة الثانوية أو ما يقل عنها تعليميا.

خطورة انهيار الأسرة

وأشار الباحثون إلى أن هذه التحولات الاجتماعية ستؤثر على حياة الأطفال من شتى النواحي، فالأطفال الأمريكيون المولودون خارج إطار الزواج يواجهون مخاطر عالية للسقوط في براثن الفقر، والفشل المدرسي، والمعاناة من المشكلات العاطفية والسلوكية.

وأكدت الكاتبة الأكاديمية "سوزان براون" من جامعة "بولنج جرين" بأوهايو على أن الدراسات الحديثة تؤكد على أن الأطفال المولودين داخل أسرة، ولأبوين متزوجين، يحصلون على تعليم أرقى، وتتكون لديهم خبرات اجتماعية ومعرفية وسلوكية أفضل.

بواسطة: مي عباس
20/02/2012   |    3688   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

الحُلم يتجسد من جديد الحُلم يتجسد من جديد 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب