اضبط تردد قلبك لاستقبال إرسال رمضان

هل تشعر بقسوة في قلبك.. ويعتريك الإحباط لمرور أيام رمضان ولياليه الغالية دون أن تجد حلاوة الدعاء ولذة المناجاة ودفعة اليقظة والتوبة والإقبال على الله؟

هذا هو حال الكثيرين منّا في رمضان.. يشتهي بركة الشهر ونفحاته الإيمانية ولكنه لا يجدها.. يقف في صلاة التراويح ولكن ذهنه يشرد هنا وهناك، ويستثقل الصيام وطول القيام وتغير نمط الحياة.

إنها نتيجة طبيعية للسواد الذي علا القلب على مدار العام، ورغم أن رمضان فرصة عظيمة للتغيير والإقابل على الله، ففيه تصفد الشياطين، وتفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النيران، وتتوالى النفحات الإلهية، إلا أن على القلب أن يستعد لاستقبالها أولا.

 يجب أن تضبط تردد قلبك لاستقبال إرسال الهدي، ومباشرة الإيمان للفؤاد، في الشهر الكريم، أما إذا ظل قلبك يستقبل إرسال الإسفاف التلفزيوني، وموجات الانشغال والتفاخر والتكاثر بالدنيا، فخسارة الشهر هي الثمرة، ثمرة لاطعم لها.. بعد أن فقد الصيام تأثيره وتقواه، وخلا القيام من روحه ومغزاه.

لبّي نداء رمضان: يا باغي الخير أقبل.. ويا باغي الشر أقصر، واضبط تردد قلبك بالقيم التالية لاستقبال نفحات الشهر، إنها أعمال لها تأثير فوري وقطعي على حياة القلب، وجلاء صدئه، وانقشاع رانه، وإليك قيم تردد رمضان:

1- الاستغفار

ما أنزل الله داءًا إلا وجعل له دواءًا.. وداء القلب تتابع الذنوب والمعاصي، والدواء هو الاستغفار، فهذا النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم كان يستغفر الله في اليوم أكثر من 70 مرة، فكيف بمن تقاذفتهم الأخطاء والخطايا، وتتابعت عليهم الغفلات الحالكات؟!

الاستغفار هو الدواء الشافي بإذن الله، فـ"طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا".. يدرأ به عن نفسه عذاب الدنيا والآخرة، يجلو قلبه، فكأنما نشط من عقال الذنوب وأسرها..

أولى القيم هي "استغفروا ربكم إنه كان غفارا"..  

 

2- الصدقة

عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة " . رواه البخاري

والصدقة بكل أشكالها، هذا العطاء، وقهر الشح، وبذل الخير ولو بشق تمرة، ولو بابتسامة وكلمة طيبة، لها تأثير فوري وعجيب على حالة القلب.

وكما نداوي مرضانا بالصدقة من أسقام الجسد وأوجاعه، فإنها دواء مرض القلب وعلته من فيروسات الذنوب وسرطان الغفلة.

وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (( ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديه قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها)).

قال الحافظ بن حجر – رحمه الله- : قَالَ الْخَطَّابِيّ وَغَيْره : وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ , فَشَبَّهَهُمَا بِرَجُلَيْنِ أَرَادَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْ سِلَاحِ عَدُّوِهِ , فَصَبَّهَا عَلَى رَأْسِهِ لِيَلْبَسهَا , وَالدُّرُوعِ أَوَّل مَا تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ وَالثَّدْيَيْنِ إِلَى أَنْ يُدْخِلَ الْإِنْسَان يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهَا , فَجَعَلَ الْمُنْفِقَ كَمَنْ لَبِسَ دِرْعًا سَابِغَة فَاسْتَرْسَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى سَتَرَتْ جَمِيعَ بَدَنِهِ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ " حَتَّى تَعْفُوَ أَثَره " أَيْ : تَسْتُرُ جَمِيع بَدَنِهِ . وَجُعِلَ الْبَخِيل كَمَثَلِ رَجُلٍ غُلَّتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، كُلَّمَا أَرَادَ لُبْسهَا اِجْتَمَعَتْ فِي عُنُقِهِ فَلَزِمَتْ تَرْقُوَته , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ " قَلَصَتْ " أَيْ : تَضَامَنَتْ وَاجْتَمَعَتْ , وَالْمُرَاد أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ اِنْفَسَحَ لَهَا صَدْرُهُ وَطَابَتْ نَفْسه فَتَوَسَّعَتْ فِي الْإِنْفَاقِ , وَالْبَخِيل إِذَا حَدَّثَ نَفْسه بِالصَّدَقَةِ شَحَّتْ نَفْسه فَضَاقَ صَدْرُهُ وَانْقَبَضَتْ يَدَاهُ

ثاني قيم استقبال الإرسال الرمضاني هي الصدقة..أنفق ينفق عليك، وترزق قبل المال وعوضه،إيمانا يباشر قلبك، وخشوعا يملأ جوانحك، وانشراحًا في صدرك، وإقبالا على ربك.

 

3- اعفُ عمن ظلمك

وهي من جملة الصدقات، بل خيرها وأشقها، وأفردتها لأهميتها، تصدق على كلمن ظلمك أو اغتابك أو نال منك.. عرفته أولم تعرفه.. فإن فعلت ستشعر فورا بسرور يتنزل عليك، ورقة تغشاك، فالله تعالى شكور، وهوأكرم الأكرمين.. يرحم الراحمين، ويعفو عن المتسامحين.

ومن لوازم العفو سلامة الصدر، وعدم استرجاع مشاهد الأخطاء والزلات، وصور الظلم والإساءة.. فالميل للانتقام كحجر ثقيل يجثم فوق القلب، فلا يتحرك ولا يستقبل، لا يسمع ولا يبصر.. حرر قلبك من أسره..

واضبط تردد قلبك بالقيمة الثالثة وهي العفو وسلامة الصدر.

 

4- تدبر وتفكر

قال أبو الدرداء رضى الله عنه : "تفكر ساعة خير من قيام ليلة".. ولا عجب فقد تعلم الصحابة الكرام الإيمان قبل القرآن، إنه مسلكأولي الألباب اليقظة قلوبهم، فلم تحل بينها العادات عن ملاحظة الآيات.

ساعة تدبر في آية كريمة.. تأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، تفكر في آية من آيات الله في النفس والكون، في التاريخ والأمم، فيما يحيط بنا من أحداث زجت بنا في أتون السياسة والجدل ونسينا مطالعة يد القدرة، وعظمة مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء.

ومن أهم الأمور التي تسترعي تدبر القلب وتفكر العقل هي الموت، فبقصر الأمل تنشط القلوب وتعلو الهمم وتنهض الأمم.. فقصر الأمل في شريعتنا ليس كآبة ويأسًا وخمولا.. وإنما قطعا لغرور الدنيا والافتتان بزيفها، واستنهاضا للعزائم إلى ابتغاء مرضات الله والترفع عن السفاسف، وما يرضي الله اليد العليا، والقوة في الخير، وإحسان العمل.

القيمة الرابعة في ضبط تردد القلب هي: التدبر والتفكر..فهي تقطع بالقلب مسيرة سنين في لحظات، وتجعل للعبادة طعما آخر..طعم اليقين.

 

5- صلة

ثقيلة هي تلك المكالمة الهاتفية لقريب انقطعت صلتك به منذ زمن، وخانقة تلك الزيارة لخالة أوعمة بلغت من الكبر عتيا، ومقلق التواصل مع هذا الفرع من العائلة، فمجرد التقارب يفتح باب الطلبات والمزيد من الزيارات ورجاء الإعانات.. وكثيرة هي المبررات.

ولكن الحقيقة الكبرى التي لا محيص عنها هي قوله صلى الله عليه وسلم: ((الرحم معلقة بالعرش تقول : من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله )) متفق عليه.

فالأمر يستحق العناء.. وتهون من أجله المشاق، ولا تقوى على رده تبريرات.

ولصلة الرحم بركة عاجلة، زيادة في العمر، ووفرة في الرزق، وانشراح في الصدر، وصلة من الله للعبد.

القيمة الخامسة والأخيرة لاستقبال إرسال رمضان هي: صلة الرحم..

 

إن ضبط هذا التردد لا يحتاج إلى وقت طويل، ولا جهد جهيد، استغفار..صدقة ولو بالقليل.. قرار بالعفو.. تفكر في آية ويمكن الاستعانة بكتاب أو محاضرة.. صلة رحم ولو بمكالمة سريعة أورسالة قصيرة..

فإذا بقلبك يستقبل إرسال رمضان.. وتشعر بحلاوته ونفحاته، وكلما مررت وأحسنت على القيم الخمس كلما قوي الإرسال، وتجددت حياة روحك.

بواسطة: مي عباس
30/07/2012   |    1087   

التعليقات

أضف تعليقك:

حكم وأمثال

أسئلة أطفالك عن العلاقة الحميمة افتتان الزوج على الإنترنت.. ماذا بعد؟!