إستشارات
اطلب استشارة
زوجي يضربُني، أُريد الطَّلاق! الخميس 3 صفر 1438 الموافق 3 نوفمبر 2016
رسالة الإسلام - قسم الاستشارات رقم الإستشارة: 4173
نص الاستشارة:

هذه صرخةُ استغاثةٍ، وردت إلينا، من زوجةٍ مُبتلاةٍ بزوجها، تقول في رسالتها:

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أكتب إليكم هذه الرسالة وقلبي يتقطع من الحزن، بسبب المعاناة والعذاب الذي ألقاه مع زوجي، وهو ابن عمي، وتزوجته قبل سنتين، وكان في بداية حياتنا الزوجية طيباً حسن المعاملة، لكنه بمرور الزمن تغيَّر سلوكه وتغيّرت أخلاقه، وصار يثور ويغضب لأتفه الأسباب، ويضربني ما يمرُّ يوم إلا وأتعرض فيه للضرب والركل، حتى كرهت الحياة معه، وصرت مقتنعة بأنه لا حلّ لمعاناتي هذه إلا بالطلاق منه، ورأيت قبل أن أصارح أهلي بذلك أن أستشيركم.


الرد:

أقول للأخت الكريمة:

وعليكم السَّلام، يا أختاه، وشكراً لك على ثقتك فيما نُقدِّمه عبر هذه النافذة من الوصايا والنصائح والتوجيهات، التي نسألُ الله أن يَلُمّ بها شعث القلوب، وشعث النُّفوس، وشعث العلائق بين الأزواج وبين الناس جميعاً.

ومن ناحيةٍ أخرى، إنّه ليحزُّ في أنفسنا ما تجدينه من المعاناة التي وصفتيها بالعذاب، وكأنّي بالسّياط تُلهب ظهرك، أو بالرّكلات تطال جسدك، أو باللّطمات تنتهك كرامة وجهك الكريم، وبالكلمات الجارحة تنوش سهامُها قلبك.

وبالرغم من ذلك، فإنّا لا نملك إلا أن نزُفَّ إليك البشرى، وهي وعدٌ من الله عزّ وجلّ بالفرج على كلّ من مسّه الضيق، واستبدّت به المعاناة، كما هو حالكِ، فأبشري: إنّ مع العسر يُسراً، إنّ مع العسر يسراً.

واعلمي أنّ صبرك على هذه المعاناة، هو قربانٌ تقدّمينه إلى الله عزّ وجل، وتتذوّقين قيمته وترين منفعته يوم لا ينفع مالٌ ولا بنونَ، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

إنّ صبرك على هذه المعاناة، هو أولاً قربانٌ من أجل استدامة الحياة الزوجية، مما يعني معاني كثيرةً، منها استقرار الأبناء، واستقرار الأهل والعشيرة، فزوجك كما ذكرتِ ابنُ عمّك.

وإنّه لأمرٌ مؤسفٌ ومؤلمٌ غاية الألم، أن يُضيّع الأزواج المسلمون وصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالإحسان إلى أزواجهنّ، ولكنّ الله لا يُضيّعك، وسيجزيك عن صبرك بأحسنَ ما يجزي الصابرين.

وأبشّرك، لمسلكك العاقل، في التقدم بالاستشارة، وعدم التسرُّع في اتخاذ قرارٍ، قد تُخشى عواقبه!

وجيّدٌ أنّك عندما صرختِ مستغيثةً: (أريد الطلاقَ)، ذكرت قبله السببَ الذي يدفعك لذلك، وهو أنّ زوجك يضربك ويضرُّ بك.

وإذن، فدعينا نتقدّم معك خطوةً أخرى، على نفس هذا الطريق الذي طرقتيه، وهو الوقفة الموضوعية لمعرفة الأسباب والمبرّرات:

هل تساءلتِ يوماً عن السبب الذي يدفع زوجك إلى هذا المسلك الشّائن؟ نعم هو مسلكٌ شائنٌ، ولكنّنا مع ذلك نتساءل، عسى ولعلّنا نستطيعُ الكشف عن ذلك السبب الذي يدفعه إليه، وعسى أن يكون في ذلك استدامة الألفة والرحم الذي كان بينكما، كما ذكرتِ في رسالتك.

فهل حدثَ أن رجعتِ إلى نفسك، وتوجّهتِ إليها بالسؤال المتفكر: تُرى هل هناك عيبٌ فيَّ، أو خطأٌ قد بدر مني تجاهه، أو تقصيرٌ في أداء حقوقه؟!

نعم، أُخيَّة الإسلام، ما دمتِ قد أعملتِ عقلِكِ، وذكرتِ سبباً لما تطلبين من الطّلاق، فاستمرّي في إعمال هذ العقل، وتساءلي: عمّا إذا كان لهذا السبب سببٌ آخر، وإن لم يكن مبرّراً تماماً، لكنّه يصلح خطوةً على طريق الإصلاح.

وجيّدٌ أنك لم تتعجّلي بإفشاء الأمر وإشاعته، واتّبعت مقتضى العقل في التوقف والتثبت، رغم ما تجدين من المعاناة المُمضَّة.

وليكن من المبادئ الموجّهة لك في هذه المحنة: أنّ الزوجية عروةٌ وُثقى، تستحقُّ الحفاظ عليها والتضحية في سبيلها، فاجعلي كلّ ما وجدتيه وتجدينه من المعاناة قُربَة إلى الله عز وجل، وبدلاً من أن يكون شعورك هو معاناة إنسانٍ حائرٍ، قد تاه به الدّليل، واستبدّ به الهمّ والقلق، ليكن شعورك بالعكس من ذلك: شعورُ إنسانٍ يحمل في صدره رسالةً كبيرةً، وهدفاً عظيماً يسعى إليه، وهو الحفاظ على صرح الزّوجية من أن تعصف به الأعاصير، وأيضاً الاجتهاد من أجل إعانة الزوج على الأوبة والتوبة، وإدراك الخطأ الشّنيع الذي هو واقعٌ فيه، وتوجيهه إلى الأسلوب الرّشيد في حل المشكلات الزوجية، ألا وهو التفاهم المتبادل، والثقة بين الزوجين، وعلى أن يكون كلُّ واحدٍ منهما عوناً لأخيه على مشاقّ الحياة وابتلاءاتها، بدلاً من أن يكون كلٌّ منهما عبئاً جديداً على الآخر.

ونُذكّرك في الختام، بأنّ زوجك هذا إنسانٌ له شعورٌ وإحساس، مهما غطّاه الرُّكام، سيعود يوما ً لينبض بالحياة، فإنّ حسن المعاملة، ومقابلة الأذى بالإحسان، سيستثيره ويُعيده إليك، ويُعيدكما أفضل ممّا كنتما أولاً!

ولا تنسي أن تستعيني في هذا الجهد، بالعقلاء في أسرتك، وأسرته، كي يعملوا على إزالة أسباب هذا الأذى الذي تتعرّضين له، ويُعيدوا بفضل  الله عز وجلّ الحياة الزوجية إلى مجاري المودّة والرحمة.

أمّا إذا قدّر اللهُ أنّ كلّ ما بذلتيه وما تبذلينه من تضحيةٍ وصبرٍ وحسن معاملةٍ، لم يُجدِ مع زوجك، ولم يؤثر فيه شيئاً، وأنّ جهودك في الاستعانة بالعقلاء في الأسرتين وفي الأهل، لم تُجد شيئاً، فعندئذٍ أُخيّتي: لا يبقى أمامك خيارٌ سوى طلب الطّلاق، ولكنّك عندئذٍ  إذا طلبتيه ستطلبينه وأنتِ في غاية الهدوء والرضا واليقين، وما عليكِ إلا أن تجتهدي في إثباتِ واقعة الضرب، وثقي بأنّ الله عز وجلّ سيُبدلك بمَن هو خيرٌ منه.

هذا هو الجواب المجملُ، يا أُخيّتي على شكواك التي كان ينقصها بعض التفاصيل، وحسناً فعلتِ، إذ إنّ التفاصيل فروعٌ، والفروع منقادةٌ بطبيعتها للأصول التي تتفرّع منها، وما ذكرناه في هذه الرسالة من الأصول والمبادئ الكبيرة، يصلح بإذن الله عزّ وجلّ لعلاج مشكلتك بكلّ ما قد يكون فيها من تفاصيل، وكذلك لمشكلات كلّ من يمرّ بمثل هذه المشكلة أو قريبٍ منها.

وفّقك الله أخيَّة الإسلام لكلّ خيرٍ، ووفّق كلّ الأزواج والزوجات، إلى أداء ما افترضه الله عليهم وعليهنّ من الحقوق والواجبات، التي بها يصلح حال الأسرة، والمجتمع كلّه.

والحمد لله ربّ العالمين.

   

الموقع العام | الملتقى الفقهى | رسالة المرأة | موقع الطفل | English Website for Muslims | English Website for Non Muslims | Español | Francais | 中文 | Pусский