ابنتي تسير في طريق الضِّياع!

 ابنتي 32 عاماً غير متزوجة أنهت تعليمها الجامعي، أصبحت منفردةً في آرائها وتصرفاتها مكالمات للشباب تهدد بترك البيت كثيراً تكثر من الخروج من المنزل  لم أستطع أن أخبر أبوها بتصرفاتها خشية من تصرفاته وانفعالاته ولعلمي أنه لن يقوم بالحل إلا عن طريق العنف والتوبيخ وهذا ما يزيد من عناد البنت ... أفيدوني بالحلِّ لمشكلتي جزاكم الله خيراُ!

الرد

*********

ونقول:

جزاكِ الله خيراً، أيّتها الأم الصَّابرة على هذا البلاء المبين، وأبشري فإنَّ الصَّابرين يُوفّون أجورهم بغير حساب.

ولا ريبَ أنّ مشكلتك مؤرّقةٌ  لضميرك كوالدةٍ حادبةٍ على مصلحة ابنتها وأسرتها، فاعلمي أنّ أُولى خطواتِ الحلّ أن تنظري إليها بالمنظور الحقيقي، أنّها ابتلاءٌ من الله عزّ وجلّ، لينظر كيف نتصرّف بما آتانا من الحكمة والصَّبر وبعد النّظر، وثاني خطوةٍ: أن نتفاءلَ ونحسن الظّنّ بالله عز وجلّ، أنّه ما قدّر هذا الابتلاء، إلا من أجل الخير، وتكفيراً لسيّئاتنا وذنوبنا، ثم ثالثة الخطوات أن نتوجّه إلى الله بالتّضرُّع والدّعاء بأن يرفع هذا البلاء.

أيّتها الأمُّ الصَّابرة،

من أجل أن تحقّقي النجاح في معالجة هذه المشكلة، وردّ ابنتك إلى جادّة الصواب، فعليكِ أن تبذلي الجهد الكبير أولاً في محاولة الفهم، فهم واقع ابنتك على ما هو عليه، وفهم الدَّوافع التي تدفعها إلى العناد والانطلاق.

إنّ الفتاة التي تجاوزت الثلاثين من عمرها، ولم تتزوّج، تتميّز على غيرها ممن فاتهنَّ الزواج بميزةٍ، وهي أنّها تكون قد بلغت سنَّ النُّضج وتكامل العقل، ولم تعد مثل الفتاة التي في منتصف العشرينيَّات أو في أواخرها، مترقّبةً لمن يطرُق بابها، بل الغالب على الفتاةِ فيما بعد الثلاثين إحدى حالتين:

-الأولى: أن يكون قد استبدّ بها القلقُ، حتّى أسلمها إلى حالةٍ من اليأس والقنوط، والشُّعور بالضياع، فتميل إلى الانزواء والانكماش.

وبنتُك بحمد الله عزّ وجلّ، لم تسقط في هذه البؤرة السّوداء.

 -والثّانية: أن ترضى بواقعها، وتحاول أن تشُقّ طريقها في الحياة، فتكون سلواها في الحركة وإقامة العلاقات، وتحقيق الإنجازات على هذا الصعيد الاجتماعيّ الواسع.

وهذه الحالة الثّانية، فيها جانب إيجابي، وهو أن تكون حركة الفتاة، في إطار المجتمعات والجماعات الخيريّة النسويّة، وتنمية صلات القرابة مع ذوي الأرحام وتفقُّد أحوالهم.

كما أنّ في هذه الحالة الثانية، جانباً سلبيٌّاً، وهو أن تكون حركتُها في سياق بناء العلاقات الاجتماعيّة مع الشباب، وما إلى ذلك، وهو الجانب الذي توجد فيه ابنتُك.

إذن، ابنتك قد صمّمت على تجاوز مشكلة العنوسة وآثارها النفسيّة السيئة، بأن تسعى لبناء حياتها، وهذا أمرٌ إيجابيٌّ في حدّ ذاته، عليك تقديره بما يستحقه من تقدير، وعندئذٍ تشعرين بنوع من التّعاطف مع ابنتك، وعندئذٍ لا ريبَ أنّها ستشعُر به فيك، وعندئذٍ بإذن الله عزّ وجلّ، سيكون هذا أول خطوة في كسر جدار العناد، عناد ابنتك لك ولأبيها، والانطلاق بعيداً عن البيت الذي ترى فيه سجناً لها، يذكّرها بواقع كونها قد فاتها قطار الزواج.

أيّتها الأمّ الصَّابرة،

نعم، ليس عندك خيارٌ، إلا أن تتفاهمي مع ابنتك، وتسعي إلى فتح نوافذ للحوار معها، ولكي تتقبّل منكِ ذلك، فينبغي أن تثبتي لها أنكِ معها، وتتفهّمين واقعها، بل وترينَ ما يتميّز به من إيجابيّة، اللهمّ إلا أنها تتحرّك في الاتجاه الخاطئ، ونريدها أن تتحرك في الاتجاه الصحيح بإذن الله عزّ وجلّ.

لا تتعجّلي أن تستجيب ابنتُك بين يومٍ وليلة، بل كوني مثل الزّارع البصير: ابذري البِذرة، وتعهّديها بالسّقي والرعاية، وفوّضي إلى الله عزّ وجلّ الأمرَ، أن تنمو وتؤتي ثمارها بإذن الله تعالى.

إذن، تفهّمي واقعها، وحاولي أن تتعرفي منها عليه أكثر، وجيّد أنك قد أدركتِ أنّ اللوم والتوبيخ في هذه الحالة، آثاره سلبيّةٌ جدّاً، ولا يكاد يأتي بخير.

اجتهدي في توطيد علاقة التفاهم والحوار مع ابنتك، وأن تكوني صادقةً في مشاعرك نحوها، واجتهدي في إقناع والدها، حتّى يتّبع معها ذات الخطة، وانظري فيمن حولك من أخوال البنت وأعمامها، ربّما تجدين منهم من يساعدك في هذه المهمة أيضاً.

هذا كلُّه مع إدامة اللُّجوء إلى الله عزّ وجلّ، والتّضرّع إليه بالدّعاء، بأن يحفظ ابنتك ويكلأها ويرعها، ويرُدّها إلى جادّة الهداية.

وكوني متفائلة بأنّ هذه الخطة،  كفيلةٌ بإذن الله تعالى، بأن تحدث تغييراً ولو طفيفاً في ابنتك، وعندئذٍ اعملي على أن تستغلّيه لمرحلةٍ أعلى من التّفاهم، ومن ذلك أن تتحيَّني فرصة أن تشاركيها في بعض نشاطاتها الاجتماعيّة المقبولة، كأن تخرجي معها إلى السّوق، أو إلى زيارة بعض الأقارب.

أيّتها الأم الصَّابرة،

إنّ ابنتك تدرك أنها تسير في طريق الضياع، ولكنها تظنُّ أنها لا تملك خياراً غيره، ولا تعرف طريقاً تتحرّك فيه سواه، فلا تكُفِّيها عن الحركة، حتى لا تلوذ إلى العناد، ولكن حاولي أن تنبِّهيها إلى الطريق الصحيح الذي ينبغي أن تتحرّك فيه.

حاولي أن تنبِّهيها إلى ذلك، ليس بكلامك، ولا بإبداء أيِّ نوعٍ من الشعور بالضيق، ولكن بسلوكك ومعاملتك وحركتك أنتِ في ذلك الطريق، طريق الالتزام والخير، والاجتهاد في التّقرّب إلى الله عزّ وجلّ، من خلال الحركة والاجتهاد في عمل الخير، وبناء العلاقات مع الدَّاعيات والجمعيات النسويّة، عسى أن يكون في ذلك تهيئةُ الطريق لتسلكه ابنتُك.

أيّتها الأمّ الصَّابرة،

لو أنّكِ التزمتِ بعون الله عزّ وجلّ، بهذه الخطة، فيكفي أنّك ستتحوّلين من أمٍّ تحمل الهموم ويستبدّ بها القلق، إلى مؤمنةٍ تحمل رسالةً، وعندها هدفٌ في الحياة تسعى إليه، وعندئذٍ فبقدر ما عندكِ من صدقٍ، يمنحك الله عز وجلّ من عطائه، ويجعل منك مفتاحاً للخير، تنفتح به أبواب الرحمة والهداية لابنتك ولأسرتك.

أسأل الله تعالى أن يوفِّق جميع المسلمين والمسلمات، إلى السّير في صراطه المستقيم.

 

 

   

بواسطة: رسالة الإسلام - قسم الاستشارات
27/11/2016   |      |   

حكم وأمثال

فقه المرأة في رمضان ( ملف) مطبخك في رمضان.. نصائح ووصفات