خوفي وخجلي أكبر عقبتين في طريق حياتي

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أمّا بعد،

فقد وردت إلينا الاستشارة أدناه:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

وبعد، أكتب لكم هذه الرسالة واليأس والغموم والهموم تجتاحني من كلّ جانب، والسبب في ذلك شعوري بالخجل والخوف، عند كثير من المواقف  الاجتماعية، الأمر الذي صار كابوساً أعانيه لدى كلّ موقفٍ من هذه المواقف، سواءٌ في الجامعة، وحتّى في البيت ومع الأقارب، وأخشى أن يؤدي ذلك إلى تدمير مستقبلي وحياتي.

فأرجو منكم مساعدتي.

الرد

المغمومة المهمومة سين

وبدءاً نشكر الأخت (سين)، لثقتها في نافذة الاستشارات، برسالة الإسلام، آملين بإذن الله أن تجد لدينا ما ترومُه من حسن توجيهٍ ونصحٍ ومساندة.

وكما هو واضح، فأنتِ أيّتها الأخت الكريمة، تُعانين من مشكلة (الخوف المرَضِيّ)، أي الخوف من أشياء ليست مخيفةً في حدّ ذاتها، ثمّ هذا الخوفُ يُصيبُك بالنكوص والإحجامِ عن مواجهة كثيرٍ من المواقف الاجتماعيّة، خشية أن يُعبّر عن نفسه في سلوكٍ غير لائق، يكونُ محلّ سخريةِ النّاس بكِ أو شفقتهم عليك.

وبدءاً، نُنبِّهك إلى أنّ علاج حالتكِ هذه له مساران، ينبغي أن يكونا متزامِنين، أي أن يجريا في الوقت نفسه، فلا يُغني أحدهما عن الآخر، وإن كان يُخفّف على أيّة حال.

المسار الأول، مسارُ التّوكل على الله تعالى، وهو المسار الأساس، ويتحقّق بالاجتهاد في ذكر الله عز وجل، وتلاوة القرآن، والتوجه إليه بالدعاء، فهو جلّ في علاه ذو الجلال والإكرام، كاشف الهمّ والغمّ، والأساس في تأثير هذا المسار على حالتك، هو قول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية الكريمة، التي تبيّنُ أنّ ذكر الله عزّ وجلّ، من شأنه أن يطرد الخوف من قلب المرء.

المسار الثّاني، وهو مسار اتّباع الأسباب، وذلك بمعرفة الأسباب النّفسية التي تسبّب حالة الخوف الذي يعتريكِ، ومحاولة علاجها علاجاً مباشراً، وكما في صحيح مسلم: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أَصَبْتَ دَوَاءَ الدَّاءِ، بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى)).

ويجب أن تعلمي الآن: أنّ علاجَ هذه الحالة ميسورٌ بإذن الله تعالى، بيد أنه يحتاج منك إلى صبرٍ وبذلٍ للجهد، ويمكنك أن تتّبعي هذه الخطوات الأساسيّة الثلاثة:

الخطوة الأولى:

خطوة معرفيّة، أن تعلمي أن الخوف في حدّ ذاته، صديقٌ للإنسان، يُعينُه على تجاوز بعض المواقف، والاستعداد لمواجهة بعض التَّحدّيات، فأشجعُ المقاتلين وأعظم المجاهدين، لا بدّ أن ينتابه في ميدان المعركة، وقبيل التحام الصفّين، شيءٌ من الخوف، يكون بمثابة الطاقة التي يستجيش بها الإنسانُ كلّ قدراته ومهاراته في مواجهة المواقف المختلفة.

فالخوف إذن قوّة فطريّةٌ، صديقةٌ للإنسان، المشكلة هي الخوف الذي يأتي في غير مكانه وزمانه، يعني الذي لا مبرّر له، فهذا هو الذي ينبغي عليك أن تتجنّبيه، وهو الذي يُسمّى بالخوف المرَضيّ.

الخطوة الثانية:

هي خطوة التّحدّي، وتتمثّل في أن تعزمي على مواجهة جميع المواقف التي تمرُّ بك، بدون تردُّد، ولا خشية من أن يعتريك الخوفُ فيها، فإذا اعتراكِ فيها الخوفُ صبرتِ، وشيئاً فشيئاً، ستجدين نفسك بكل بساطة، وقد أصبحتِ تتحكّمين في كلّ أمورك، وتتحكّمين خاصّةً في طاقة الخوف عندك، فلا تسمحي بإطلاقها، إلا في أمرٍ يستحقُّ، ومن أجل مواجهة هذا الأمر بكلّ شجاعةٍ.

دعينا نعودُ إلى مثال الجنديّ المقاتل، الذي يعرّض جسده لسيوف الأعداء، وهو بشرٌ مثلي ومثلكِ، يعتريه الخوفُ، لكنّه في لحظةٍ معيّنة وعند بدء المعركة، يتحدّى هذا الخوف ويتجاوزه، أو نقول: إنّه في تلك اللحظةِ يقول للخوف: شكراً لك، لقد هيّأتُ نفسي بحمد الله لخوض هذه المعركة، فيمكنك الآن أن تنصرف.

إذن، هاهنا حقيقةٌ فانتبهي لها، وهي: أنّكِ أنتِ التي تأمرين الخوف بأن يأتيَ إليك، أو ينصرف عنك. إذن تدرّبي على أن تفرضي سلطان عقلك ووعيك على الخوف، بل على جميع عواطفك. ولتأكيد هذه الحقيقة، تأمّلي في أمرٍ لا تخافين منه، مثل وجودك مع والدتك مثلاً، فالخوف هنا لا يأتي لأنك لا تستدعينه، لأنك تشعرين بأنّ هذا الموقف لا يحتاج إلى خوف.

الخطوة الثالثة:

لكي تستطيعي اتّخاذ القرار في الخطوة الثانية، وتستغني عن طاقة الخوف، اسألي نفسكِ في مواجهة الموقف الذي يمرُّ بكِ: ممّاذا أخشى؟ ما الذي سيحدثُ لو أنّني واجهتُ هذا الموقف؟ أو بعبارةٍ أخرى: اسألي نفسك: هل يستحقُّ هذا الموقفُ أن أخاف منه؟

مثلاً، إذا رأيتِ فأراً دخل تحت سريرك، فاسألي نفسكِ، هل سيضرُّ بك، وما هو أقصى ضررٍ يمكن أن يُسبِّبه لك؟ وعندئذٍ ستكتشفين أنه ليس هناك ما يدعو إلى استدعاء الخوفِ والرّعب والفزع من أجله، نعم هناك خوفٌ فطريٌّ عاديٌّ، لا يضرُّ، بل سيُفيدُك ويدفعُكِ إلى أن  تتحرّكي من أجل القيام بما يلزم.

أيّتها الأخت الكريمة،

ليس هناك علاجٌ سحريٌّ، فهذه المشكلة بسيطة وليست معقدة، وخلاصتها أنك قد تعوّدتِ على أن تخافي من هذه الأمور، مجرد اعتياد لا يسنده أيُّ منطق، وبالتالي فبإمكانك أن تعتادي على ضده، وهو الشيء الطبيعيّ، أي أن لا تخافي من هذه الأمور، وهو شيءٌ يسنده كلُّ المنطق.

فهي عاداتٌ اعتدتيها: أن تخافي وتخجلي لدى هذه المواقف، فبإمكانك أن تصبري لدى مرورك بها، وتصمدي في وجهها، وتلقائيّاً ستجدين مخاوفك كلّها وقد تلاشت، وصارت ذكرياتٍ.

وبالإضافة إلى ما سبق، نقول لكِ أيّتها الأخت الكريمة، إنّ من أسباب الشعور بالخوف والخجل، لدى الكثيرين: إلزامهم أنفسهم بأن يحققوا أعلى مرتبةٍ في كلّ شيء، وإلا شعروا بالخجل والخوف من النقد.

ونقول: إن تحقيق المراتب العليا في كلّ شيء، أمرٌ جميل، لكنّه لا يتحقق إلا شيئاً فشيئاً، من خلال الأسباب الواقعيّة، فلا ينبغي أن تستعجلي في تحقيق أهدافك.

فالزمي حدود الواقع، وليس معنى ذلك أن لا يكون لديك طموحٌ تسعين إلى تحقيقه، ولكن أن تسعي إلى تحقيقه بواقعية، ومن خلال اتباع الأسباب التي قدّرها الله تعالى، مستعينةً في ذلك بالله تعالى، ومتوكّلةً عليه.

وفقك الله تعالى.

   

بواسطة: رسالة الإسلام - قسم الاستشارات
05/10/2017   |      |   

حكم وأمثال

أسئلة أطفالك عن العلاقة الحميمة افتتان الزوج على الإنترنت.. ماذا بعد؟!