` أشعر بحاجزٍ نفسيٍّ يفصل بيني وبين القرآن

أشعر بحاجزٍ نفسيٍّ يفصل بيني وبين القرآن

 

الحمد لله، والصَّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أمّا بعد،

فقد وردت إلينا الاستشارة التّالية:

السّلام  عليكم ورحمة الله،

أنا شاب أبلغ من العمر 29 عام. ملتزم بالصلاة في مواعيدها في المسجد، وأجتهد في الالتزام بتعاليم الدين عموماً، لكني أشعر بمشكلة في علاقتي بالقرآن، أعرف أنه كلام الله، ويستحق التعظيم، لكني عاجز عن المواظبة على تلاوته، وعاجز عن الالتزام بختمه كلّ شهر، وكثيراً ما حاولت ذلك لكن صرت أشعر بوجود حاجز نفسي بيني وبين القرآن، فأتوقف عن المتابعة. أرجو أن أجد منكم من النصح والتوجيه ما يعينني ويوثق صلتي بالقرآن العظيم كلام ربّ العالمين.

وجزاكم الله خيراً.

الرد

 ونقول للأخ الكريم: فأنت جزاك الله خيراً، على أن طرقت بوَّابة الاستشارات بموقع "رسالة الإسلام"، www.islammessage.com

 فنأمل أن تجد لدينا ما ترومه من نصحٍ ودعمٍ ومساندة.

وإنّها لسانحةٌ طّيبة: أن تزامنت استشارتُك هذه مع إطلالة الشّهر الكريم، خاصّةً وأنّ معاناتك، لا يكاد يسلم منها أحدٌ من المسلمين في هذه العصور المتأخِّرة التي ضعُفت فيها الصّلة بالقرآن الكريم، خاصّةً وأنّ رمضانَ هو شهر القرآن، كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]، بيد أنّ موقفك أيُّها الشّابّ في الحقيقة يُعتبر موقفاً متميّزاً على كثيرٍ من النّاس من عدّة نواحٍ، فاعلم.

موقفك متميّز، لأنّك حال كونك مواظباً على صلواتك الخمس في المسجد، كان بإمكانك أن تفعل ما يفعله كثيرون من المداومة على تلاوة جزئهم من القرآن، بدون أن يستشعروا مع هذه التلاوة عظمة القرآن، ولا عظمة من يُناجون ويخاطبون، وإنّما يتلونه كما يتلون القصائد الشعريّة.

وموقفك متميّزٌ، لأنّك أدركت أنّ هذا القرآنَ حقيقةً كبرى، وليس مجرد ترانيم جميلةٍ، أو مصحفٍ منقوش، وإن كنتَ لمَّا تدرك بعدُ كنهَ هذه الحقيقة، ولا تذوّقتَ طعمها الّذي هو طعمُ الإيمان، كما في الحديث الشريف: ((ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ: مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا , وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا , وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا)) [صحيح مسلم (34)] فهذه المعاني الثّلاثة، هي لُباب القرآن الكريم، فلو أنّك تدبّرته وتدبّرتَها فيه؛ لتذوّقت طعم الإيمان الجميل.

شعورك بأنّ القرآن حقيقةٌ كبرى، كونه كلام الله -عزّ وجلّ- شعورٌ طيّب، ورغم ذلك وجدتَ في نفسك ثُقلاً إزاءه، فحُقٌّ لك أن تسكب العَبَراتِ على هذا الحرمان الكبير!

بلى، أنت مثلُ غيرك أيُّها الشابُّ: بينك وبين القرآن حاجزٌ نفسيٌّ يحول بينك وبين تذوُّق طعمه وتلمُّس حقيقته وإدراك كنهه، لكنّك تشعرُ بوجود هذا الحاجز، فيوشك أن يزول، وهذا ما سنجتهد في إعانتك بل وإعانة أنفسنا على تحقيقه بإذن الله تعالى.

وبدءاً، ينبغي أن تقف متأمّلاً بين يدي هذه الحقيقة: أنّ تلاوة القرآن هي مناجاةٌ للرّحمن، وذلك كما ترى مقامٌ عالٍ، وغايةٌ لا ينبغي أن يُدركها إلا من اجتهد في تطهير قلبه وتزكية أسراره، ومن بلغ هذه الغاية فلا ريب يكون من أولياء الله الصّالحين، الّذين تولّاهم الله بالحفظ والرّعاية؛ لأنّهم توجّهوا إليه بالعبوديّة، وذلك كما في الحديث: ((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ)) [صحيح البخاري (6137)].

ونرجع إلى ما بدأنا به، فنقول في سياقٍ جديد:

إنّك باهتمامك بهذه المسألة، والاستنصاح فيها، تُدلّل على رغبتك وتشوُّفك إلى بلوغ ذلك المقام الرّفيع، مقام الولاية الذي تتقاصر همم معظم المسلمين عن الطموح إليه، فيرضَون بعبوديّةٍ لا روح فيها، وبالتّالي تظلُّ سفينة حياتهم تتقاذفها الأمواج، فلا يدري أحدهم هل يُختم له بخاتمة السّعادة، أم يكون من الأشقياء؟!

فأنتَ على مشارف المنزلة الأولى من منازل سير القلبِ إلى الرّبّ، وهي المنزلة التي سمّاها العلامة ابن القيّم بمنزلة اليقظة، قائلاً: (فَأَوَّلُ مَنَازِلِ الْعُبُودِيَّةِ: الْيَقَظَةُ، وَهِيَ انْزِعَاجُ الْقَلْبِ لِرَوْعَةِ الِانْتِبَاهِ مِنْ رَقْدَةِ الْغَافِلِينَ، وَلِلَّهِ مَا أَنْفَعَ هَذِهِ الرَّوْعَةَ، وَمَا أَعْظَمَ قَدْرَهَا وَخَطَرَهَا، وَمَا أَشَدَّ إِعَانَتَهَا عَلَى السُّلُوكِ! فَمَنْ أَحَسَّ بِهَا فَقَدْ أَحَسَّ وَاللَّهِ بِالْفَلَاحِ) [مدارج السالكين (1/ 142)]، فهل أحسست بذلك أيُّها الشّابُّ؟!

إنّ مجرد الاهتمام منك بتلمُّس عظمة القرآن،. إذا تدبّرت فيه يؤهّلك إلى الوقوف بين يدي هذه المنزلة، التي معناها أنك قد وضعت قدمك بفضل الله -عز وجلّ- في أوّل الصّراط المستقيم

إذن، فذلكم تشخيصُ حالتكم المرَ ضيّة، أيُّها الشّابّ، فهذه الأعراض التي تشكو منها يا أخي أعراضٌ إيجابيّة، فالنّاس كلّهم قد يتلون هذا القرآن في هذا الشهر الفضيل، بدون أن يكونوا قد بلغوا منزلة اليقظة والانتباه وانزعاج القلب من رقدة الغافلين، وقد يكون منهم من يتلوه ملتزماً بتلاوته وختمه كلّ شهرٍ أو أقلّ من ذلك، بدون أن تنفتح في قلبه تلك النّافذة المضيئة، وربّما أن البعض يتلوه متدبّراً في دلالاته ومعانيه، بدون أن تنتابه تلك الرّوعة، لأنّ التزامه وسلوكه الكلّي لا يُعينه ولا يُساعده، لولوغه في بعض المعاصي، ووقوعه في بعض مظالم العباد.

إذن، أولى خطوات العلاج: أن تخرج من دائرة الظلم، سواءٌ ظلم النّفس بارتكاب ذنوب الخَلوات، حيث لا يراك أحدٌ إلا الله تعالى، وسواء بالوقوع في ظلم العباد، وهو الدّيوان الذي لا يغفره الله تعالى، ويجعل صاحبه  تحت رحمة من ظلمهم.

وثاني هذه الخطوات: أن تجتهد في تحقيق هدفٍ كبير، ألا وهو الصّلاة الخاشعة، التي تستشعرُ فيها أنّك واقفٌ بين يدي الله تعالى، تخاطبه وتناجيه بهذا القرآن.

ثمّ الخطوة الثالثة، وهي العلاج المباشر: أن تأطُر نفسك أطراً على الالتزام بوردٍ من تلاوة القرآن، تقرؤه بتدبّر، تتدرّج فيه شيئاً فشيئاً بحسب قدرتك على التّدبّر، حتى تبلغ درجة الالتزام بتلاوة جزءٍ كاملٍ يوميّاً، يقول الله تعالى:  {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [النساء: 82]، وممّا يُعينك على الالتزام بذلك اصطحابُ أحد التّفاسير معك في هذه الرِّحلة، وأقترح عليك تفسيرين مختصرين ممتازين، تُنوّع بينهما، أو تختار منهما واحداً، وهما: التفسير الميسر من إصدار مجمع الملك فهد، وتفسير الشيخ السعدي، يتميز أوّلهما بأنه يُفسّر معنى كلّ آيةٍ مستقلاً، مع مراعاة السِّياق، ويتميز الثاني بأنّه يفسر الآيات حسب السياق. فيمكنك أن تقرأ تفسير الآيات في كلّ صفحةٍ أو مقطعٍ معيّن بتمعُّنٍ، ثم تتلوه تلاوةً متدبرة خاشعة.

أخي،

إذا صدقتَ الله عزّ وجلّ في مسعاك، فاجتهدتَ في تحقيق هذه الخطوات الثلاثة السابقة، وهو أمرٌ لا يتمّ بين عشيّةٍ وضحاها، نعم، ولكن ما عليك إلا أن تبدأ بالسّير الجادّ في هذا الطريق، ثم إنّ الله تعالى سيُبارك خطواتك السّابقة، حتّى تجد نفسك في ارتقاء دائمٍ من حالٍ إلى حال، يغمرُك فيه شعور بالسعادة والانسجام النّفسي.

واعلم أنّ تلك الخطوات السابقة، ستظلُّ بحاجةٍ إليها دوماً، ففي كلّ مرحلة ٍمن مراحل الطريق أنت مطالبٌ بالخروج من ظلم النفس والآخرين، وبأن تستجيش كلّ قواك النفسيّة، من أجل وقوفٍ خاشعٍ بين يدي الله -عزّ وجلّ- في الصّلاة، وبأن تديم تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، فهو منهج حياتك كلّها.

فممّا يُعينك على السّير الجادّ في هذا المسار: يقينُك بأنّ كلّ جهدٍ تبذله، وكلّ وقتٍ تنفقه فيه؛ فإنّه يؤتي أُكُله في حياتك الدنيا، أضعافاً كثيرةً، بحيث يكون هو وليس غيرُه السّبب الحقيقيّ لتحقيق النجاح في حياتك كلّها، فعندئذٍ تجد تلك الهموم والغيوم التي ظلّت تخيّم على حياتك قد  انقشعت، وفاضت عليك غيوث الرّحمة، فأنبتت في قلبك حدائق ذات بهجةٍ، تؤتي ثمراتها في كلّ حين.

إذن، أخي كانت قضيّتك هي عدم قدرتك على المواظبة على تلاوة القرآن وتدبُّره، فانكشف لك أنّ الأمر يتعلّق بحياتك كلّها، وأنّ ذلك القلق الذي دفعك إلى طرق بوابتنا، إن هو إلا التّوتُّر الذي يسبق انطلاق السهم نحو الهدف، وإنّها لمسيرةٌ ثلاثيّة الأبعاد:

البعد الأول فيها: الارتقاء في فهم القرآن وتدبُّره شيئاً فشيئاً.

البعد الثّاني: الارتقاء في منازل السير إلى الله تعالى من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ أعلى، ابتداءً من مرحلة اليقظة والانتباه من رِقدة الغافلين، إلى مرحلة القرب من الله تعالى.

البعد الثّالث: الارتقاء المتكامل في شخصيّتك، بحيث تتجاوز أسباب الضيق والمعاناة الحياتية التي يعانيها كثيرٌ من الناس، وتنقشع عنك سحائب الهمّ والغمّ، وتبلغ مرحلةً عليا من الوعي والانتباه بما يدور حولك، فترقى علاقاتك الاجتماعيّة، ويكون لك دورٌ مقدّرٌ في إعانة الآخرين.

هذا هو يا أخي، وإضافةً إلى ذلك ولمزيدٍ من الفائدة، أنصحك بقراءة الكاتب المهم الذي الّفه فضيلة الشيخ الدكتور خالد بن عبد الكريم اللاحم، تحت عنوان: "مفاتح تدبُّر القرآن"1.

[1] مفاتح تدبر القرآن والنجاح في الحياة، د. خالد بن عبد الكريم اللاحم، بدون دار نشر، 1428هـ.

 

بواسطة: رسالة الإسلام - قسم الاستشارات
20/05/2018   |      |   

حكم وأمثال

البطلة زوجي العزيز.. عفوًا لقد نفذ رصيدكم! 7 خطوات لتجديد الإيمان في القلوب